تقرير : مراقبة بلا قانون .. الكاميرات تلاحق الفلسطينيين في كل مكان
يرصد هذا التقرير اتساع ظاهرة كاميرات المراقبة في الضفة الغربية، وتحولها إلى مصدر لانتهاك الخصوصية الفردية، في ظل فراغ قانوني واضح. ويكشف التقرير كيف أدى غياب تشريع ناظم إلى نزاعات اجتماعية، وضغوط نفسية، وخسائر اقتصادية، ومخاوف من الاستغلال الأمني والابتزاز الرقمي. ورغم اعتراف الجهات الرسمية بوجود مشروع قانون منذ عام 2021، فإنه بقي طي الكتمان، وسط تخوفات حقوقية من أن يأتي على حساب الحريات العامة.
على مدار أكثر من عامين، تحاول فتحية رشيد (اسم مستعار)، من حي عين منجد بمدينة رام الله، انتزاع حقها في الخصوصية، بعد أن وجه جيرانها كاميرا مراقبة نحو مدخل منزلها وحديقتها بشكل مباشر و”متعمد”، على حد قولها.
لجأت فتحية (67 عاماً)، التي تسكن في الطابق الأرضي إلى القضاء الفلسطيني في سبيل الحصول على حقها بالخصوصية، بعدما حاولت مراراً حل الأمر ودياً مع الجيران الذين يسكنون في الطابق الأول من البناية المقابلة، وإقناعهم بإزالة الكاميرا أو تغيير وجهتها على الأقل، ولكن من دون جدوى؛ ما جعلها تلجأ في البداية إلى وضع أغطية كبيرة “شوادر” على مدخل البيت علّها تحجب المشهد. لكنّ الجيران أعادوا تثبيت الكاميرات بارتفاع أعلى، لتظل العدسة مصوبة على بابها مباشرة. “الانتهاك كان مقصوداً، مش صدفة”، تقول فتحية.
تتابع: “تخيلي حياتك كلها مسجّلة، أي ساعة بطلع وأي ساعة بدخل، حتى لو بدي أنزل عالجنينة لازم أكون لابسة ومتحجبة كأني برا (خارج) البيت، ما بقدر أوقف على البلكونة ولا أتحرك براحة”.
معاناة فتحية رشيد استمرت لعامين، إذ تم تكليف خبير هندسي بالتوجه إلى المكان ومعاينته، وبناء على تقرير الخبير الذي أكد أن الكاميرا تكشف مدخل البيت بشكل مباشر، صدر قرار قضائي بإزالتها، وتعويض فتحية بمبلغ مالي عن الأضرار وتكاليف الأغطية.
لكن حتى قرار المحكمة لم يُنفذ طوعاً. تضيف فتحية: “الجيران ما ردوا على الحكم، بالنهاية اضطرت الشرطة تيجي وتشيل الكاميرات بنفسها”.
تقول فتحية إن قصتها تكشف فراغاً قانونياً، فبالنسبة لها، القضية لم تكن مجرد نزاع جيرة، بل انتهاك لحق أساسي في الخصوصية، تضيف: “كنت بتمنى يصدر قرار حاسم بهذا الموضوع، لأنه مش بس الناس بتستغلها عشان مآربها الخاصة، كمان العدو يستغل الكاميرات”.
وبالرغم من أن المحكمة أنصفتها، ترى فتحية أن الحكم غير كاف، مبينة أنه من غير المعقول أن يذهب كل مواطن إلى القضاء ويقف أمام المحاكم لسنوات فقط من أجل انتزاع حقه بالخصوصية، الأصل أن يكون هناك قانون واضح يمنع نصب كاميرات تنتهك خصوصية الناس، لأن البيوت لها حرمة، وفق قولها.
قرار المحكمة العليا الفلسطينية في القضية المرفوعة من قبل فتحية رشيد بخصوص كاميرات المراقبة الموجهة نحو منزلها
كاميرات في كل مكان.. وقانون طي الكتمان
خلال السنوات الأخيرة، انتشرت كاميرات المراقبة بشكل كبير في الضفة الغربية، خاصة مع توفر كاميرات بأسعار رخيصة في السوق، لا تزيد أحياناً على 50 دولاراً، وهو ما أسهم في نشر هذه الكاميرات في الشوارع، وفي أماكن العمل وحتى في البيوت، فلم يعد الأمر يتعلق بالحفاظ على الأمن والحماية من السرقات وغيرها فحسب، بل أصبحت بيوت كثيرة في المدن والقرى والمخيمات تنصب هذه الكاميرات بشكل عشوائي، من دون أي مراعاة لخصوصية السكان في المنطقة، ولا لخطر استغلال تسجيلات هذه الكاميرات لأغراض أخرى من أي جهة كانت، وسط غياب أي إطار قانوني ينظم استخدام هذه الكاميرات، بشكل يكفل عدم انتهاك الخصوصية.
عام 2021، أحالت الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية مشروع قانون إلى الرئيس محمود عباس، لتنظيم استخدام كاميرات المراقبة، من دون اطلاع أو مشورة أحد كما يؤكد حقوقيون، وبقي المشروع طي الكتمان. يسلط هذا التقرير الضوء على مخاطر الكاميرات على خصوصية الأفراد، وسط تلكؤ الحكومة الفلسطينية في تنظيم هذا الفضاء.
الشر من شرارة
“الشر من شرارة”، هكذا يقول المثل الفلسطيني، ولكن الشرارة أيضاً قد يتسبب بها غياب القانون، ما يفسح المجال أمام البعض لانتزاع حقوقهم بأيديهم. قد يكون هذا ما حصل في حادثة حريق مصنع “رويال” بمدينة الخليل، وفقاً للروايات الصادرة عن جهات مختلفة.
مساء السابع والعشرين من شباط/فبراير عام 2024، أتت النيران على المصنع المختص بإنتاج المواد البلاستيكية والأدوات الصحية. استغرقت أجهزة الدفاع المدني ثلاثة أيام حتى استطاعت إخماده بالكامل.
قبل يومين من الحريق، وجد أحد جيران المصنع، أن إحدى كاميرات المراقبة في المصنع موجهة نحو منزله، فتواصل مع أصحاب المنشأة وطلب منهم إزاحة الكاميرا إلى الزاوية المعاكسة، لكنّهم لم يستجيبوا لطلبه، ونفوا أن تكون الكاميرا تصور بيت عائلته، وفق قوله. واعترف في حديثه أنه قام بتحطيم الكاميرا. كان ذلك في اليوم نفسه الذي اندلع فيه حريق المصنع، بحسب اعترافه.
حل صباح اليوم التالي من دون أي تغيير على زاوية كاميرا المراقبة المقصودة في مصنع رويال. عند الساعة الحادية عشر صباحا حطم جار المصنع (ع. ب) كاميرا المراقبة، ومن ثم عاد إلى بيته، وفق ما أظهرته تسجيلات الكاميرا نفسها.
رغم ذلك، ينفي البكري أن يكون لعائلته يد في حريق “الرويال” الضخم، فيما يتهم أصحاب المصنع عائلة البكري بالتسبب بالحريق. القضية الآن منظورة أمام القضاء الفلسطيني.
مازن زغير، أحد أصحاب مصنع الرويال، ونائب رئيس مجلس الإدارة، عقب على حادثة الكاميرا التي رواها البكري، بأنها شكوى “كيدية”، ونفى أن تكون كاميرا المراقبة الخاصة بالمصنع انتهكت خصوصية أحد.
وجود مصنع “الرويال”، الممتد على نحو 88 ألف متر مربع، ويشغّل قرابة 700 عامل داخل منطقة سكنية، وفي ظل غياب قانون ينظم تركيب كاميرات المراقبة واستخدامها، فاقم الخلاف بين الطرفين.
هذا إلى جانب الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي خلّفها الحريق، وطالت جميع الأطراف المعنية بالمصنع، وفي مقدمتهم العاملون الذين يعولون أسرهم من خلال العمل فيه. وفي مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2025، حصل المصنع على تعويض من شركة التأمين قُدّر بنحو 8 ملايين دولار.
لم يعلم 30 في المئة “ماذا” تسجل تلك الكاميرات، لكن 70 في المئة قالوا إنها تسجل الصورة، فيما قال 26 في المئة إنها تسجل الصوت والصورة معاً.
تروي (هـ. غ) تجربتها مع تقييد كاميرات المراقبة حريتها في مكان عملها، تقول: “كنت أعمل في محل ملابس في بلدة كفر عقب (قرب القدس)؛ المحل عبارة عن طابقين، وفي كل زاوية في المحل هناك كاميرات، ولم يكن في المحل مكان للموظفات من أجل الصلاة أو تناول الطعام، أو الاستراحة”.
لاحقاً، اضطرت هبة إلى ترك العمل وخسارة مصدر رزقها بسبب عدم شعورها بالارتياح، بفعل الكاميرات.
وفق نتائج الاستبيان، يرى 46 في المئة من المستطلعين أن الكاميرات المنتشرة في الضفة الغربية بشكل عام، رديئة الجودة وسهلة الاختراق، مقابل 54 في المئة يرون أنها ذات جودة متوسطة وتحتاج إلى خبرات خاصة لاختراقها.
تؤكد الخبيرة في مجال الأمن الرقمي، راية شاربين، أن كاميرات البيوت والمحال (يطلق عليها كاميرات CCTV)، تعمل عادة بنظام “اسم المستخدم وكلمة المرور”، مضيفة أن الشخص الذي يشتري هذه الكاميرا يضع كلمة المرور لمرة واحدة فقط ولا يقوم بتغييرها غالباً، وإن فعل ذلك يكون على فترات متباعدة؛ لذا يسهل اختراقها.
ليس هذا فحسب، تقول راية إن هناك مواقع إلكترونية يقوم عملها على اختراق كاميرات المراقبة وسرقة تسجيلاتها من أجل التسلية والترفيه، ولكنهّا قد تعرض أصحاب الشأن للابتزاز والتهديد، في إشارة لسهولة اختراق هذه الكاميرات وانتهاك خصوصية أصحابها.
من جانبه، يقول مهندس الدعم الفني والصيانة في شركة هايك فيجين للكاميرات محمود الحيح، إنه ليس من الضروري امتلاك “الهاكر” أو مخترق أنظمة الرقابة موهبة وذكاء، حتى يتمكن من اختراق أنظمة الكاميرات، مشيراً إلى أن طالباً في سنته الجامعية الأولى باستطاعته اختراق نظام الحماية الخاص بك، إذا كان يعرف أساسيات الاختراق.
المصدر : الاقتصادي- أريج- وفاء عاروري