الكاتب: رائد عمر

في الوقت الذي تشهد فيه الأسواق الفلسطينية حالة من القلق والارتباك وتتعرض فيه قطاعات حيوية وعلى رأسها محطات الوقود لخطر الشلل تطفو إلى السطح أزمة تبدو في ظاهرها مالية تقنية لكنها في جوهرها أزمة إدارة اقتصادية فائض الشيقل في البنوك الفلسطينية.

هذه الأزمة لا تعني نقصاً في المال بل العكس تماماً تعني أن هناك سيولة متراكمة لا تجد طريقها إلى الدورة الاقتصادية فتتحول من عنصر قوة إلى عبء يهدد الاستقرار ويضغط على البنوك ويُربك القطاعات الخدمية ويصيب ثقة المواطن في المنظومة المالية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري
هل يُعقل أن تكون البنوك غارقة في السيولة بينما يعاني السوق من شحّ التمويل وتباطؤ الحركة الاقتصادية؟

الشيقل المكدّس… خسارة صامتة

الاحتفاظ بفائض كبير من الشيقل دون توظيفه ليس حلاً بل هو خسارة غير مرئية
خسارة للبنوك بسبب تراجع العائد وخسارة للاقتصاد بسبب تعطّل الاستثمار
وخسارة للمواطن الذي لا يجد تمويلاً ميسراً في لحظة الحاجة.

المشكلة إذاً ليست في العملة بل في غياب أدوات مبتكرة لتدويرها داخل السوق المحلي.

رسالة إلى سلطة النقد والبنوك الحل في الداخل
بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة عبر البيانات والتحذيرات يمكن تحويل فائض الشيقل إلى رافعة اقتصادية من خلال حل عملي وقابل للتنفيذ.

إطلاق برامج قروض بالشيقل للمواطنين والمنشآت بشروط مدروسة تشمل…
فترة سماح تمتد من 3 إلى 4 أشهر تتيح للمقترض التقاط أنفاسه وبدء الإنتاج أو الاستهلاك بفائدة صفرية.

استهداف من يتعاملون بالشيقل فعلياً موظفون تجار مستوردون مشاريع صغيرة ومتوسطة.

تخفيف الرسوم والمصاريف الإدارية لتحفيز الإقبال دون المساس بسلامة النظام البنكي.

هذا الطرح لا يدعو إلى مغامرة مالية بل إلى استثمار ذكي للسيولة الراكدة يعيد المال إلى السوق بدلاً من بقائه حبيس الخزائن.

من المسؤول؟

سلطة النقد الفلسطينية ليست مجرد جهة رقابية بل هي صانعة سياسات نقدية ويُنتظر منها في هذه المرحلة
التنسيق مع البنوك لإطلاق برامج استثنائية.

توفير غطاء تنظيمي يوازن بين الاستقرار المالي وتحريك الاقتصاد.

حماية القطاعات الحيوية من الانهيار بسبب أزمات سيولة مصطنعة.

أما البنوك فهي مدعوة إلى تجاوز منطق الحذر المفرط والنظر إلى السوق لا كمصدر مخاطر فقط بل كشريك في الصمود.

الخلاصة

أزمة فائض الشيقل ليست قدراً محتوماً بل اختبار للقدرة على الابتكار الاقتصادي.

فإما أن يبقى المال مكدّساً يضغط على البنوك ويخنق السوق وإما أن يتحول إلى قروض مدروسة تُنعش الاقتصاد وتخفف الاحتقان وتعيد الثقة.

الكرة اليوم في ملعب سلطة النقد والبنوك معاً والوقت لم يعد يحتمل إدارة الأزمات بعقلية الانتظار.