زرتُ يوم أمس مدينة سلفيت لأول مرة في حياتي لبعض شأني. تجولتُ بالسيارة رفقة أيمن التيتي فيها، فأدهشني جمال ورحابة ونظافة شوارعها الهادئة. كان أروعَها مدخلٌ مترامي البهجات، تُحفّ به زهورٌ وورودٌ من أنواع شتّى تُبهج القلوب.

شعرتُ في دخيلة نفسي أنني كنت مقصّرًا في حقّها، إذ كيف تكون لدينا مدينة بهذه المزايا الأرفع خُلقًا وخِلقة، ولم أقصد زيارتها من قبل؟ كنتُ أظنها مجرد بلدة معزولة.

تخيّلتني أجول بكامل حواسي فيها، كأنني كنتُ أطوف في غير مدينة تشبه حيفا الكرملية أو جونية اللبنانية، لكنني تداركتُ خيالي الجامح فعاد لعقله، فارتسمت سلفيت مدينةً عصماءَ المُسمّى؛ سلفيت البشر والشجر والحجر، تتألق مجدًا في خيالي فتسمو عروسًا عربية من لحمٍ ودمٍ وحنينٍ وأحلامِ غدٍ ناصع. لا أحسبها تتماهى مع غير مكان فلسطيني أعجبني فيما مضى.

رأيتُ بأمّ عيني أناقتها وعقلها وإرادةَ مواطنيها وتحرّرهم واعتزازهم بها. استشعرتُ عمق ولائهم لمدينة جميلة غيداء، بحجم وطن جميلٍ أغرّ ينتظر حلول عيدها: الحرية.

شاهدتُ فخامة عمرانها وعددًا من مؤسساتها العاملة: مقرّ فرع جامعة القدس المفتوحة، دار المحافظة، دار القضاء، ثم استقرّ بي المقام في فرع البنك الوطني حيث تناولتُ كأسًا من ماءٍ فرات، ثم أراني أعربتُ لموظفيه عن عمق إعجابي بحوّاء غراء تحلم بتحرير جدائلها.

غادرتُ حضنها النعناع، ولم تغادرني هيئتها الساحرة، كأن لوحة السيدة سلفيت الفنية الزاخرة تجذّرت في ذاكرتي منذ أمدٍ طويل، فلم يعد يقتلعها أي تقصير ذاتي أو حصار غاشم.