الكاتب: رائد عمر

إلى الرجل الذي فهم المنصب بوصفه أمانة لا امتيازا وجعل من الوظيفة جسرا للعدل لا حاجزا بينه وبين الناس.

إلى من أثبت أن الاحترام لا يمنح بقرار ولا ينتزع بقوة بل يبنى بصبر السنين ونقاء السيرة.

نهديك هذه الكلمات لا بوصفها توثيقا لمسار وظيفي بل شهادة أدبية على أثر إنساني تركته في القلوب قبل السجلات وفي الذاكرة قبل الأرشيف.

لقد غادرت الموقع لكنك بقيت المعنى وتلك هي الثروة التي لا تخضع للتقاعد.

لم تكن المدن تسأل القادمين عن أسمائهم لكنها كانت تختبرهم بصمت تتركهم يعبرون شوارعها
يراقبون وجوهها ويقفون طويلا أمام مراياها دون أن يدركوا أن المدينة مثل الإنسان لا تمنح ثقتها دفعة واحدة.

قلقيلية لم تعط ساهر القبج قلبها سريعا تركته يقترب خطوة خطوة كأنها تقول له
أرني من تكون… لا ما تحمله من صفة.
وكان ساهر يفهم هذا النوع من الصمت.

ولد ساهر القبج في بلدة عنبتا حيث الأسماء لا تقال عبثا وحيث العائلة ليست لقبا بل تاريخا غير مكتوب على الورق ومحفوظ في السلوك.

تعلم مبكرا أن الرجل لا يقاس بما يعلنه بل بما يصمت عنه وأن الاستقامة لا تحتاج جمهورا.

دخل قلقيلية وهو لا يعرفه أحد لكنه لم يشعر بالغربة كان يعرف أن المدن تشبه البشر تراقبك أولا ثم تقرر إن كانت ستفتح لك قلبها.

بدأ من موقعه دون ضجيج لم يكن مستعجلا الصعود ولا خائفا من البطء.

كان يؤمن أن الطريق المستقيم وإن طال…
أقصر من أي التفاف.

حين جلس خلف المكتب لأول مرة لم ير سلطة
بل مسؤولية.

وحين أصبح مديرا لضريبة الدخل في قلقيلية نظر إلى الكرسي طويلًا قبل أن يجلس.

لم يكن ترددا بل اتفاقا صامتا بينه وبين نفسه
أن يبقى هو الأعلى قيمة
لا الموقع.

فتح باب مكتبه واستمع أكثر مما يطلب وكان يعرف أن الناس لا يطلبون المعجزات
بل الاحترام.

خرج كثيرون من مكتبه دون قرار لصالحهم لكنهم خرجوا دون كسر وهذا ما احبه الناس في هذا الرجل.

لم يعد غريبا صار الناس ينادونه باسمه لا بلقبه الوظيفي صار جزءا من تفاصيل المدينة من أفراحها الصامتة ومن أحزانها الثقيلة كانت قلقيلية تعرفه ويكفيها ذلك.

لم يفاجئه التقاعد كان يعرف أن كل طريق له نهايته الطبيعية راجع سنواته بهدوء وسأل نفسه دون قسوة هل كنت عادلا؟ هل بقيت إنسانا؟
وكان الجواب كافيا لينام مطمئنا.

خرج في يومه الأخير كما دخل أول مرة دون ضجيج ودون استعراض خلع سترته ووضعها بعناية كأنها ليست قماشا بل مرحلة كاملة.

عرف أن هناك رجالا يغادرون مواقعهم
لكنهم لا يغادرون المكان لأنهم مروا من هنا
كما ينبغي أن يمر الرجال بهدوء وبكرامة
وبأثر لا يزول.