الكاتب: رائد عمر

منذ أكثر من عشرة أيام وفي كل مساء تقريبا يغرق الفضاء الإعلامي بسيل من الأخبار التي تتحدث عن قرب توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران وضخ سيناريوهات تتراوح بين ضربة محدودة وحرب إقليمية شاملة يرافق هذه الأخبار سيل من التحليلات التي يقدّمها من يُعرّفون أنفسهم بـالمحللين السياسيين والعسكريين والذين بات بعضهم ضيوفا دائمين على الشاشات العربية.

وفي خضم هذا الضجيج تبرز أخبار أخرى لا تقل إثارة دعوات دول لمواطنيها بمغادرة طهران تحذيرات من السفر إلى إسرائيل إغلاقات جزئية للمجال الجوي إخلاء قواعد أمريكية تحليق طائرات التزود بالوقود وتحركات عسكرية تقدم بوصفها مؤشرات حاسمة على أن الحرب باتت على الأبواب إلى حد يجعل المتلقي يعتقد أن المعركة بدأت فعليا… لكن مع انبلاج الصباح يتبين أن الليل مر بلا قصف وبلا صواريخ وأن الحياة تسير حتى اللحظة بوتيرتها المعتادة.

هنا يطرح السؤال نفسه
هل نحن أمام حرب إعلامية ولعبة أعصاب لا أكثر؟
أم أن هذا الترويج يمهد لضربة عسكرية مرتقبة؟
أم أنه جزء من استراتيجية أوسع لإرباك إيران ودفعها إلى الاستسلام أو تقديم تنازلات دون إطلاق رصاصة واحدة؟

الواقع أن ما يجري لا يخرج عن أحد أكثر أدوات الصراع شيوعا في العصر الحديث الحرب النفسية والإعلامية فالتسريبات والتحذيرات وتضخيم التحركات العسكرية ليست دائما مقدمة حتمية للحرب بل كثيرا ما تكون وسيلة ضغط تهدف إلى استنزاف الخصم نفسيا ورفع كلفة القرار لديه وخلق حالة توتر داخلي واقتصادي وشعبي.

في المقابل لا يمكن الجزم بأن كل هذا الضجيج بلا غاية عسكرية فالتاريخ يقول إن بعض الحروب سبقتها بالفعل حملات إعلامية مكثفة أريد لها أن تربك الخصم وتمهد للرأي العام العالمي لكن التاريخ نفسه يخبرنا أيضا أن حروبا كثيرة أُعلنت في الإعلام ولم تقع لأنها أدت غرضها دون حاجة إلى المواجهة المباشرة.

الخلاصة أن ما نعيشه اليوم هو صراع إرادات قبل أن يكون صراع جيوش الإعلام هنا ليس ناقلا محايدا للخبر بل جزء من المعركة نفسها يستخدم لإرسال الرسائل وقياس ردود الفعل واختبار الأعصاب أما إن كان ذلك سيتحول إلى حرب فعلية فذلك رهن بحسابات أكبر من مجرد ضجيج الشاشات حسابات تتعلق بالكلفة والربح وباللحظة السياسية المناسبة وبمدى استعداد الأطراف لدفع ثمن المواجهة.

إلى أن تتضح الصورة يبقى الحذر واجبا ويبقى الأهم ألا نساق كمتلقين إلى حالة هلع تصنعها الأخبار أكثر مما تصنعها الوقائع على الأرض.

ففي زمن الحروب الحديثة قد تكون أقسى المعارك تلك التي تدار بلا مدافع… ولكن بعناوين الأخبار.