مَاذَا يَعْنِي إِحَالَة جِبَايَة ضَرِيَبة المَحْرُوقَات للسُلْطَة

نشر بتاريخ: 26/08/2019

الكاتب: مؤيد عفانة

تم الإعلان يوم الخميس 22/8/2019م عن اتفاق بشأن إحالة جباية ضرائب المحروقات إلى السلطة الوطنية الفلسطينية مباشرة، بدلا من جبايتها من إسرائيل نيابة عن السلطة ضمن ما يعرف بـ “المقاصّة”، والتي تشكّل بمجملها ثُلثي الإيرادات العامة للخزينة الفلسطينية؛ إذ تتكون ايرادات المقاصّة من الضرائب المختلفة والجمارك على الواردات الفلسطينية من الخارج ومن إسرائيل، تجبيها وزارة المالية الإسرائيلية مباشرة مقابل عمولة قدرها 3%، على أن توردها للخزينة الفلسطينية في نهاية كل شهر، تبعا لبرتوكول باريس الاقتصادي، ووصل مجموعها مطلع العام الحالي حوالي 750 مليون شيقل شهرياً، ثلثها يتأتّى من الضرائب على المحروقات، وهي نوعان: ضريبة “القيمة المضافة”، وضريبة “بلو”، وهما تشكلان مجتمعتين حوالي ثلثي أسعار المحروقات للمستهلك النهائي في فلسطين.

وقبل ذلك اقتطعت إسرائيل حوالي 42 مليون شيقل شهرياً من إيرادات المقاصة، ضمن قانون أقره (الكنيست الإسرائيلي) لاقتطاع أموال توازي مخصصات أُسَر الشهداء والأسرى؛ لتضاف إلى “قرصنتها” للأموال الفلسطينية تحت ما يسمى “بصافي الإقراض”؛ ليصل بذلك مجموع الاقتطاعات الإسرائيلية من المقاصّة حوالي 150-200 مليون شيقل شهرياً، الأمر الذي واجهته السلطة الوطنية الفلسطينية بقرار حازم بعدم استلام كامل أموال المقاصة إذا كانت منقوصة، مما أدخل السلطة الوطنية الفلسطينية في أزمة مالية خانقة، منذ شهر شباط الماضي، تزامنت مع تراجع الدعم الدوليّ.

واتفاقية “البلو” هي نتاج مفاوضات ما بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على مدار أشهر عدّة؛ إذ توّجت بتحوّل جوهري في العلاقة الاقتصادية بين الجانبين، عبر تحويل جباية ضرائب المحروقات مباشرة من قبل وزارة المالية الفلسطينية، وبأثر رجعي منذ بداية العام 2019م، ما يعني محاسبيا تسلم السلطة الوطنية الفلسطينية أكثر من مليار ونصف شيقل من أموال المقاصّة المحتجزة في إسرائيل، وتوفير حوالي 220-250 مليون شيقل شهرياً في الأشهر القادمة للخزينة العامة.

ماليّاً، الأزمة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية لم تُحلّ، وإنما تمّ التخفيف من وطأتها، في وقت جدّ حساس- كادت فيه الأزمة المالية أن تُودي بالسلطة الوطنية الفلسطينية إلى مُنزلق خطير- وسبب ذلك يعود إلى أن هذه العائدات “ضريبة المحروقات” لا تشكّل سوى ثلث عائدات المقاصّة، وبالتالي بقي المحتجز الثلثين، وبخاصّة وأن السلطة الوطنية الفلسطينية بالأصل تعاني من أزمة مالية حتى بوجود كامل إيرادات المقاصّة؛ حيث توجد فجوة مالية ما بين الإيرادات والنفقات في الموازنة العامّة، ظهرت إفرازاتها في مؤشرات ثلاثية خطيرة وهي: الدَّين العام، الاقتراض من صندوق التقاعد والمعاشات، ومتأخرات القطاع الخاص.

ولذا لن تُحَل الأزمة الماليّة في الأمد القريب، وإنما ستكون لدى السلطة الوطنية الفلسطينية مرونة أعلى في التكيّف معها، وبخاصّة مع استنفاذ الحلول “الفنية” للأزمة الماليّة، مما استوجب حلّ ثوري خارج الصندوق، وإن بات سيساهم هذا الأمر في خروج السلطة الوطنية الفلسطينية “نسبيا” من عنق الزّجاجة، إلا أنه في الوقت ذاته سيزيد في أمد حلّ الأزمة بشكل جذري. فاتفاقيّة “البلو” وفرت عملياً مدخلاً لحلّ جزئي للأزمة الماليّة، ولكن لا تزال إسرائيل تمارس قرصنتها على الأموال الفلسطينية، وتستقطع أموال توازي مخصصات أُسَر الشهداء والأسرى، ولا تزال السلطة الوطنية ترفض تسلم أموال المقاصّة منقوصة.

ولكن توجد قضية مهمة بالمنظور الاستراتيجي وهي تحرير مورد مهم وكبير من موارد الخزينة الفلسطينية، المتمثل بالضرائب على المحروقات، من تحكّم إسرائيل به؛ مما سيزيد من الإيرادات المحلية، وسيعزز من استقلاليتها، وبالتالي مزيد من سيطرة السلطة الوطنية على الموارد الفلسطينية، والمساهمة في الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل. ويمكن البناء على هذا المنحى المهم تُجاه تحرير بنود أخرى من مكونات المقاصّة، مع صعوبة ذلك فنيّاً وسياسيّاً: فمن الناحية الفنيّة فإنّ قطاع المحروقات له ميزة كونه من مورد واحد عمليّاً من “شركات المحروقات في إسرائيل” إلى مستورد واحد “الهيئة العامة للبترول”، ولكن الأمور ستزداد تعقيداً لمنتجات متنوعة بموردين متنوعين، ومستوردين متنوعين، أما على الجانب السياسي، فمن غير المتوقع أن تتنازل إسرائيل عن سيطرتها على أموال المقاصّة الأخرى، بوصفها وسيلة ضغط سياسي على السلطة الوطنية الفلسطينية، ومورد مالي لها ولقطاعها الخاص أيضاً، أكان ذلك من خلال عمولة إدارة المقاصّة، أم من خلال الاستقطاعات والحجوزات لتلك الأموال، وتحويل جزء منها للقطاع الخاص في إسرائيل، ولكن آن الأوان لإحداث تغيرات جوهرية في برتوكول باريس الاقتصادي الساقط بالتقادم، والانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل،؛ لأن بقاء الوضع على ما هو عليه، يمثّل التكلفة الأكبر.

وعلى الرغم من هذا التحوّل الجوهري والثوري المهم في العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، إلا أنه ستبقى هناك محاذير مهمة يجب الأخذ بها، وعلى رأسها تعزيز “الحوكمة” في قطاع المحروقات، وضمان جباية ضريبة المحروقات بشكل مهني وفاعل من السلطة الوطنية الفلسطينية، ومكافحة التهريب والتهرب الضريبي في هذا القطاع الحيوي المهم، والوقاية من تعثر محطات المحروقات في فلسطين؛ لكون تعثر محطة واحدة يكلف الخزينة العامة الملايين من الشواقل.