الصحافة الاسرائيلية: ساعي بريد في خدمة السياسة

بقلم: نداء يونس

يبدو انه يمكن لخبر صغير في يديعوت احرونوت ان يتجاوز الدور “الاخباري” للمادة الاعلامية الى ما هو أبعد، فالاعلام الاسرائيلي لعب وما زال يلعب دور ساعي بريد للقيادة السياسية في دولة الاحتلال، ويعمل على تمرير الكرات في الملعب الاقليمي الى السياسي الاسرائيلي لالتقاطها او تجاهلها بناء على تحقق الغاية منها..

من هنا، يبدو خبر حول ازالة احدى الدول العربية من قائمة الاعداء والموافقة على طلبها بالتبادل اقتصادي معها في هذا الوقت، وليس بعيدا عن مؤتمر المنامة الاقتصادي المفخخ بالاهداف السياسية التي تعيها روسيا والصين جيدا، قمة الجليد للحراك التخريبي لناقلات نفط وتأجيج الوضع في الخليج العربي بين ايران وأمريكا قبل فترة ليست بالبعيدة، وحيث وصلت الامور كما هو معلن الى تهديدات بالتصعيد; فيما الحرب، ولمواضيع لا تتعلق بالاستعداد، ليست على أجندة الطرفين.

وفيما تتدحرج التصريحات الاعلامية ضد الحرب ومؤتمر المنامة، يأتي خبر صغير في يديعوت احرونوت ليؤسس للمطالب الاسرائيلية بشأن الثمن المطلوب، والمتمثل بالتطبيع الاقتصادي مع دولة مهمة في المنطقة. وكعادة الاخبار الاسرائيلية التي تضرب عشرة عصافير بحجر واحد، أريدَ لصيغة الخبر ان تأتي مستفزة لمناهضي التطبيع وللجانب الفلسطيني، وذلك من خلال تقديم المسألة على أنها مطالبة من هذه الدولة، ويمهد الطريق لتأجيج العلاقات، واثارة نزاعات دينية واقليمية، وهذا الدور يتم لعبه باتقان مكشوف، وحيث يُرادُ لردات الفعل الانشطارية ان تدفع، ليس باتجاه تكذيب الخبر، بل باتجاه العناد، وهكذا يراد لبيدق عروبي آخر ان يدور في فلك شرق أوسط جديد كما ترسمه السياسة الامرو-اسرائيلية.

يبدو ان هذه السمة لاحقت وتلاحق اخبار هذه الصحيفة التي سعت من خلال نشر خبر مفاده حصول الموظفين على 30% من رواتبهم للشهر القادم الى اثارة الشارع الفلسطيني باتجاه الضغط على القيادة الفلسطينية لتغيير مواقفها تجاه الاقتطاع الغير قانوني من اموال المقاصة ومعاقبتها على رفضها الابتزاز السياسي وتحويل قضية فلسطين من سياسية الى مشروع اعانات اقتصادية سيما وان العامل الداخلي احد الادوات التي تحاول دولة الاحتلال استخدامها لاطالة عمر الاحتلال واعادة رسم المنطقة بما يتوافق مع مشروعها الاستعماري والتطبيعي التوسعي.

الحكمة التي تقتضي عدم الدخول في حرب اعلامية او فيسبوكية استنادا الى اخبار الصحف الاسرائيلية، يجب ان تترافق مع جهد سياسي يعمل على تلافي الخسارات وتوطيد الجهد والعلاقات وعدم منح اي مبرر لتسير الامور في غير اتجاه.

من الجدير بالذكر، ان دولة الاحتلال تبني على التراكمات، كما انها تبني على صورتها التي تستخدمها اليوم لحرف البوصلة عن اي نقاش للحق الفلسطيني والتي تعتبر احد ادواتها بناء دولة باقتصاد وتكنولوجيا وتقدم علمي وزراعي، وبعيدا عن مناقشة قضية: على حساب من تقيم دولة الاحتلال اقتصادها; يظل سؤال برسم الاجابة: ما الذي يملكه الفلسطينيون أكثر من مسألة الحق التاريخي والطبيعي بالتحرر من الاحتلال واقامة الدولة؟ وهل ننتهج سياسة البناء بعد التحرر ام البناء تحت الاحتلال رغم معيقاته ليكون لدينا أيضا استحقاقات بلغة العالم الجديد والدول المدنية والحضارية تساند الحق التاريخي؟