طوباس: أعادت الحلقة (74) من سلسلة (ذاكرة لا تصدأ) لوزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، واللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الفارعة جمع أجواء العيد في القرى المدمرة.

واستردت التسعينية آمنة يوسف أبو هنية أجواء العيد في قرية شحمة جنوب غرب الرملة: كنا نستعد لعيد الفطر، ونُحضر الكعك، ويذبح المقتدرون الذبائح، ويجتمع الأهالي في ساحة مجاورة للمقبرة، لزيارة أمواتهم، ويحضرون معهم القهوة، ويوزعون الحلوى عن أرواح الغائبين، ثم يلفون بيوت القرية.

وتابعت: كان الكبار ينتظرون الهلال، ويستعدون للعيد للذهاب إلى الرملة ويافا، فيخيمون ثلاثة أيام على شاطئ البحر، ويأخذون معهم الطعام والشراب، ويركبون الجمال والخيول، ويفرح الأطفال.

ووفق الراوية، فقد انتشرت في القرية عادة حفظ اللحوم بطريقة تقليدية، وفيها يسلقون الذبائح، ويحتفظون بها بأوعية من الفخار مع القليل من الطحين؛ خشية تلفها، ويأكلون في الأيام التالية للعيد. أما العكك فكان يٌعد بعجوة تأتي بأوعية كبيرة تسمى (زنبيلا).

وكانت أبو هنية وأطفال شحمة ينتظرون العيد طويلًا، وكن يتلقين العيدية، ولا تنسى وحدات الجنيه الصغيرة (الملات المعدنية)، وفئاتها الكبيرة التي كانت مثقوبة من منتصفها.

سمك يافا

وسرد الثمانيني محمد سعيد الخطيب، شوقه ليافا، ولحي العجمي، مسقط رأسه ومسرح طفولته. وقال: كان أطفال يافا ينتظرون مدفع الإفطار والسحور، ويتسابقون إلى موائدهم، ويحرصون على أن يشمل وجبات سمك طازجة، كما أقاموا موائد الرحمن، فيما كان الصياد المسيحي من عائلة هللو يحرص على إهداء الجيران السمك في شهر الصوم. 

وتابع: كنا نعرف دخول العيد من المذياع، عبر راديو (الشرق الأدنى) التابع للإذاعة البريطانية، التي كانت تبعد عن منزله 50 مترًا، ويحرسها موظفون سنغاليون.

وأفاد: كان منزلنا تحت البحر، وبجانب المستشفى الحكومي، وأذكر جدي إسماعيل الذي أجرى فيه عملية للتخلص من حصى الكلى، وانتشر في مدينتنا الطعام القريب من أطباق مصر، وراجت في رمضان عادة بيع قوالب الثلج على عربات متنقلة، وكنا نتسابق للحصول عليها، وكان يصل المدينة عمال سعوديون ومصريون ومن جنسيات عربية أخرى للعمل في الميناء، ولقطف البرتقال، وكان الأطفال يذهبون للمطاعم قبيل الإفطار لشراء أطباق الحمص والفول.

وزاد: أتذكر تحول شارع اسكندر عوض في أيام رمضان الأخيرة إلى مكان مكتظ، فالجميع يأتيه لشراء الملابس، التي يتخصص بها دون غير من أسواق المدينة الساحلية، أما صلاة عيد الفطر كانت تقام في مسجد حسن بك، وكان يكبر للعيد أمام مسجد أبو كبير الشيخ محمد سعيد، بصوته الجميل. أما العيدية ففي الغالب خمسة ملات (جزء معدني مثقوب من منتصفه، من فئات من الجنيه)، خلال العيد كان الفتية يذهبون للبحث عن الخيول، فيركبونها بأجر، ويدفعون لسائق الحنطور (العربة) للتنقل بين أحياء المدينة، ثم يذهبون قليلاً للسباحة في البحر القريب، وكنت شاهدًا على غرق طفلة من نابلس، ابتلعها الموج أمام أمها يوم العيد.

أبو حنّا

وروت فاطمة مصطفى صبح ما التصق بذاكرتها من قصص أمها، وما شاهدته خلال طفولتها في أم الزينات، حين كانت أجواء الفرح واللعب والتكافل الاجتماعي تتجلى في العيدين بقوة، وتعلق بها مظاهر وتكافل وطعام.

وقالت: كانت رائحة الكعك والفطير تفوح من بيوت أم الزينات كلها، وكانت الأمهات والصبايا يعملن لوقت طويل قبل حلول العيد في صناعة الحلوى، وتحضير العجين، ونقله إلى الطابون، ورش السمسم والقزحة (حبة البركة) عليه، وتجهيزه في أوانٍ من القش. ثم تقدمه للضيوف بجوار القهوة المرة، والملبّس الذي كان يسمى (بيض الحمام).

كانت الفتيات ممن هن في جيل صبح ينفقن وقتًا طويلاً في اللعب، فيجهزن بمساعدة الأمهات ألعاب العيد من بقايا الأقمشة غيرة المستعملة، ثم يذهبن للبساتين المجاورة للهو على (المراجيح) محلية الصنع، والتي تتشكل من ربط الحبال بين شجرتين كثيفتين بالظل.

وأضافت: صنعنا العقود من الملاّت التي نحصل عليها من الأقارب (قطع نقدية مثقوبة من الوسط، وهي الأصغر في الجنيه) ونلبسها، ونشتري الحلوى والقضامة والأساور. ولم نكن نجمع غير 5 قروش، أما الأولاد فكانوا يفرحون كثيراً بالتكبير ليلة العيد مع الشيخ الملقب بـ (أبو حنا)، وكانت أمي وأبي يذهبان إلى حيفا لشراء القماش قبل العيد بوقت طويل، ثم نذهب للخيّاطة في القرية. وكنا نتسابق للبس كعك العيد الدائري في أيدينا، مثل الأساور.

بقرة سعيّد

والأكثر حنيناً للراوية صبح، أنها كانت تتسابق وصديقاتها على الاستيقاظ المبكر صبيحة يوم العيد، لارتداء الملابس والأحذية الجديدة، والتي كنا يضعنها تحت مخداتهن، ويحلمن طوال الليل بها. وبعد وقت قصير، يشاهدن الأضاحي، فقد كان الجميع يحرص على نحر الأغنام في بيته، حتى لو كان فقيرًا.

تستجمع أغاني العيد، فتقول: كنا نغني طوال النهار الذي يسبق العيد (بكرة العيد وبنعيّد، ونذبح بقرة سعيّد، وسعيّد ما عنده بقرة، نذبح بنته هالشقرا، والشقرا ما فيها دم، نذبح بنته بنت العم….).

وقدّم الثمانيني عبد القادر حمد، صورة لحال رمضان في قريته صبارين المجاورة لحيفا: كنا نطحن ونخبز ونعيش من خيرات أرضنا، ونخصص صاعاً من القمح للعالم إبراهيم النعاني، الذي كان يتطوع في بلدنا، ويعطي الناس دروساً في رمضان، وكانت (الهيطلية) والزلابية والفطير والبرغل الوجبات الشائعة في رمضان، وحرص الأهالي على تسمين الخراف لذبحها نهاية رمضان، فيما كانوا ويعرفون توقيت حلول حلول العيد من الراديو الخشبي الضخم والوحيد للمختار مسعود عبد القادر.

وقال: أحفظ (توحيشة) شهر رمضان للمسحراتي أسعد الناطور، ونتذكر استعدادات الرجال والنساء لموسم الصيام، وطحن البرغل، وتجهيز البيوت للشهر الفضيل، واعتماد الناس على ما تزرعه وتربيه في طعامها وسحورها.