ذكريات لم يطمسها النسيان

هدى حبايب

تراوح تفاصيل الحياة في المدن والقرى الفلسطينية المهجرة مكانها في ذاكرة كل لاجئ فلسطيني هجر قسرا عن قريته ومدينته ووطنه، واستقر به المطاف في المخيمات سواء داخل فلسطين، أو الشتات على حد سواء.

مسكة، وقاقون، وأم خالد، وصبارين، وحيفا، وغيرها، هي قرى ومدن فلسطينية طمسها الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء احتلاله لفلسطين عام 1948، والذي عرف بعام “النكبة”، ودمرها عن بكرة أبيها، وبنى مكانها مستوطنات أطلق عليها مسميات عبرية.

لهذه القرى والمدن ذكريات ما زالت حاضرة في قلوب وأذهان من عاش طفولته فيها وما زال على قيد الحياة، رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها، يتذكرها أصحابها بلهفة ودموع وقلب عاشق لترابها وهوائها، بأمل العودة الحتمي في يوم من الأيام.

رغم مرور 71 عاما على النكبة التي ألمت بشعبنا على أيدي العصابات الصهيونية، وتشريده عن أرضه وممتلكاته، لم تطمس حقائق لطالما حرص أبناؤها على ترديدها كي لا ننسى.

 فحكاية اللاجئ عمر محمد عمارة مع قريته “مسكة” شاهدة على ذلك، لم تمح 87 عاما مضى على عمره من ذاكرته مسقط رأسه “مسكة”، التي هجر الاحتلال سكانها عام 1948، ودمرها بالكامل، وزرع مكانها حرشا، في محاولة لطمس معالم الحياة الفلسطينية التي كانت سائدة فيها.

يستذكر عمارة قريته بأدق تفاصيلها اليومية، وكأنها ماثلة أمامه، ويقول: قريتي مسكة ولدت بها وعشت فيها 15 عاما من عمري قبل أن نتركها عنوة، وهي إحدى قرى طولكرم منذ العهد التركي والانتداب البريطاني، تقع إلى الجنوب الغربي من طولكرم على مسافة 15 كم، تجاورها قرية الطيرة على مسافة 2 كم إلى الشرق الشمالي، ومن الشرق قلقيلية، ومن الجنوب كفر سابا العربية.

ومسكة حسب ما يقول عمارة قرية زراعية، أصحابها البالغ عددهم عام 48 (1020) نسمة، يملكون 12 ألف دونم من أخصب الأراضي، منها 7 آلاف مشاع تشكل غابة مسكة، فيما 5 آلاف هي أملاك خاصة، وجميعها مزروعة بجميع أنواع الخضار والفواكه والحبوب.

ويرى أن هذه القرية بتفاصيل الحياة التي كانت سائدة فيها يثبت أن جذور شعبنا الفلسطيني على هذه الأرض ممتدة عبر التاريخ، وأن البلاد التي كانت عامرة بأهلها ومزدهرة ليست كما يدعي الاحتلال بروايته الكاذبة، أنها كانت أرضنا بلا شعب وكانت خرابا وعمروها.

ويصف عمارة قريته: “مسكة معشوقتي، وستظل كذلك إلى الأبد.. هناك كنا عايشين بالخير كله.”

ويحرص على أن يدون كل ما يجول في خاطره عن قريته التي يحن لها على أوراق صغيرة، ويقول: “أكتب خوفاً من النسيان، فالعمر يمر وأخاف أن أنسى فتنسى الأجيال”.

وشدد عمارة على أن العودة حق قائم سيأتي يوماً مهما طال الليل، وقال:  “سنرجع للدار مهما ابتعدنا ومهما افترقنا، سنرجع يوما فما من محال، قسما أن لا نهون ولا تدوم خيام الهوان، سنرجع للدار للأرض للبحر ولو صار الجدار بطول الجبال، وإذا الشعب يوما أراد الحياة فليس هناك شيء محال”.

عمارة يملك مكتبة للقرطاسية على مدخل مخيم طولكرم، وقسم لطباعة الوثائق مصدر رزقه الآن، كانت هي نفسها الخيمة التي سكنها قبل 71 عاماً.

“قاقون”… شوق اللاجئ محمد حامد للقائها

منذ 71 عاما، فقد المسن السبعيني محمد عبد القادر حامد، بيته وأرضه وقريته قاقون، بسبب التهجير القسري من قبل الاحتلال الإسرائيلي ، كان حينها في السادسة من العمر، إلا أن ذاكرته ما زالت مفعمة بأجمل ذكريات الطفولة التي عاشها سواء في المدرسة أو في منزله هناك.

وتقع قاقون على بعد 6 كيلومترات من مدينة طولكرم، على تل مشرف على سهل قاقون، وكانت سكة حديد طولكرم – حيفا، تمر على بعد نصف كيلومتر إلى الشرق منها.

 محمد حامد أمام محله (تصوير مصطفى أبو دية /وفا)

ولحامد دكان صغير في مربعة حنون إحدى حارات مخيم طولكرم. هو من ضمن أكبر مخيمات اللاجئين والذي أقامته وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين عام 1950، ويبلغ عدد سكانه حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2017، “9931” نسمة.

وتعود أصول اللاجئين في مخيم طولكرم حسب أقوال السكان فيه، لعدة بلدات ومدن بأراضي العام 48، منها: حيفا، ويافا، ومسكة، وصبارين، وسيدنا علي، وقاقون، وقيسارية، والشيخ مونّس، وواد الحوارث، وأم خالد.

لم ينس اللاجئ حامد كيف احتل اليهود قريته عندما قصفوها بالمدافع، وارتكبوا المجازر فيها وقتلوا كبار السن، واستشهد الصغار والنساء والرجال، مما اضطرهم إلى ترك القرية، متنقلين من منطقة إلى أخرى بظروف صعبة، بدون مأوى، مرورا بقرية دير الغصون شمال طولكرم حيث توفي شقيقه الصغير من البرد هناك.

يتذكر حامد طعم اللبن الذي تذوقه يوما في بيت جده لأمه، لم ينسَ رائحة الشمّام الفواحة التي تنتشر في المكان، ويتذكر اللعب على البيادر التي وصفها بأنها كانت أحلى الأيام.

ينظر حامد للنكبة بأنها حدث مؤلم في تاريخ الشعب الفلسطيني، يستذكرها دوما بأبيات شعر، تجعله يبكي ألما وقهرا من الحال الذي وصل إليه شعبنا في المخيمات، ويقول:

“بكت عيني وزاد بها العذاب،، وطالت غيبتي والغياب،، وتؤلمني المشاهد كل يوم، وبين اللاجئين لها حساب،ويحرق مهجتي وطن عزيز، تقيم به الثعالب والكلاب، ونحن مشردون بكل أرض، كأغنام وترعاها الذئاب، وهل هذه الخيام بديل يافا.. وعكا.. إنه أمر عجاب، نقيم بها ولا مال لدينا.. بلا عمل فما هذا الحساب،صبرنا صبر أيوب ولكن.. بلا جدوى فقد طفح الجراب”.

“أم خالد” ذكرى تفطر قلب اللاجئ محمد الشيخ ياسين

يعود الشيخ ياسين وهو من ومواليد عام 1930، ويقطن حاليا في مخيم طولكرم،  بذاكرته للوراء إلى تلك الأيام عام 1948، يستحضرها كأنها حدثت اليوم، رغم المرض الذي أنهك قواه الجسدية وجعله طريح الفراش، قائلا: بدأت الأخبار تأتي محملة بهجوم قوات الاحتلال الإسرائيلي ومحاصرتهم لعدد من القرى وقتل سكانها (…)، خرجنا بأيد فارغة، كنا نظن أن الغياب لأيام معدودة فقط.

ويضيف:” يا ريتنا متنا قبل ما تحل هذه الكارثة”.

 محمد ياسين

و”أم خالد”، قرية من قرى فلسطين الساحلية التي احتلتها ودمرتها إسرائيل عام 1948 وتتبع لطولكرم، وتبعد عنها 14 كيلومترا، وأقيمت على أنقاضها مدينة أسماها الإسرائيليون “نتانيا”.

ويعتبر ياسين ما حل بالبلاد عام 48 بأنه كارثة، ويقول: “اليهود دمروا البلاد وقسموها، وقتلوا وذبحوا، وطردوا من بقي على قيد الحياة”.

ويعود المسن ياسين بذاكرته إلى طبيعة الحياة التي كانت تتميز بها مدن وقرى فلسطين قبل احتلالها وتدميرها، خاصة الواقعة على الساحل الفلسطيني منها: أم خالد، ويافا، وحيفا، وقراهما، دير مونس، وإجليل، والجماسين، والمسعودية، والعباسية (..)، حيث الزراعة هي عماد الاقتصاد فيها، وتقوم على مختلف الأصناف والأنواع كالبطيخ والشمام والخيار والفقوس والبامية والقمح والشعير والذرة البيضاء التي تشبه حبات العدس.

كان سكان “أم خالد” من بين ما يقدر عددهم 950 نسمة، يمتلكون آلاف الدونمات من منطقة “بصة الفالق”، وهي أرض خصبة ذات ينابيع مياه غزيرة صافية تقع على ساحل البحر المتوسط، كانت تتبع لطولكرم، وتبعد حوالي 4 كم عن أم خالد، وتبلغ مساحتها 14 ألف دونم حسب رواية ياسين.

ويقول الشيخ ياسين: “لو خيروني بين أي بقعة في الأرض وبين العودة إلى مسقط رأسي، سأختار البصة، حتى لو فقدت كل شيء أملكه اليوم.. عندي أمل بالله كبير بأن العودة حتمية لا محال”.

” حيفا” نبض الحياة في قلب اللاجئ مصطفى أبو عواد

مستحضرا لذكريات طفولته في قريته صبارين إحدى القرى المهجرة التابعة لـ حيفا، وتبعد عنها ما يقارب 30 كم، يقول اللاجئ مصطفى محمود عبد الفتاح أبو عواد: “حيفا كانت الحياة والمصدر لكل قرى شمال فلسطين”.

ويقطن أبو عواد (82 عاما)، في مخيم نور شمس شرق مدينة طولكرم في الضفة الغربية، وهو أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أسسته وكالة الغوث الدولية عام 1951 بعد مرور ثلاث سنوات على النكبة، ويضم لاجئين من 27 قرية تابعة لحيفا.

ويضيف: “قبل عام 1948، كانت حيفا مزارا اقتصاديا كبيرا، يأتي إليها مواطنون ومستثمرون من سوريا والأردن ومصر، كونها تحتضن أكبر الموانئ البحرية، الذي يستقبل السفن والبواخر القادمة من جزيرتي رودس، وقبرص، كانت تضم مقرات  المندوب السامي، والقائم مقام، والمحاكم العسكرية، ومقرات التجارة”.

ويقول أبو عواد: “سكن في حيفا قبل النكبة المسلمون والمسيحيون واليهود، الكل كان متساويا، وكان حي النسناس من أبرز الأحياء العربية التي ما زالت قائمة حتى الآن، إضافة إلى جامع الحاج عبد الله، وهناك ساحة الحناطير، وشارع الملوك، وجميعها ما زالت موجودة بأسمائها العربية، رغم محاولات الاحتلال تغيير مسمياتها”.

ويصف حياة حيفا بأنها هادئة رغم ضجيج العمل، قائلا “كان والدي يصطحبني وكنت حينها في عمر الثانية عشرة مع أشقائي، إليها للتسوق، نتجول في شوارعها وأسواقها، كنا مبهورين بحجم التطور في هذا المدينة، ونحاول جاهدين إقناع والدي أن نبقى مدة أطول فيها قبل العودة إلى القرية”.

حيفا لم تبقَ كما كانت”، يقول أبو عواد، أنه من الصعب نسيان حيفا أو حتى إعطائها حقها في الوصف، “حيفا أم فلسطين وعروس فلسطين ورأس القضاء، ما في بعد حيفا، حيفا مناخ وجو وسكن، وصوت الموج يضرب بالأرض، ناحيتها الجنوبية الكرمل، وهو أعلى منطقة، لها كل الاحترام والتقدير والمحبة، نفنى من أجل حيفا”.