كتب الدكتور خالد معالي
برد قارس ينهش أجساد أسرانا
يصعب على المرء الكتابة، عن معاناة الأسرى خلال فصل الشتاء؛ بفعل البرد القارس، ما لم يعايشها بنفسه، ويعاين الدقائق والثواني؛ التي تكون ثقيلة وتسير ببطئ شديد وتكاد تتوقف، فهي ليست سريعة كما هو في الخارج؛ لمن عايشها ومر فيها؛ بل حملها على النفس أثقل من حمل الأحجار الثقيلة، ولعل ما يوجع كل إنسان حر وشريف؛ هو برد الزنزانة وأقبية التحقيق، والذي يتعرض له الأسرى الأطفال، والنساء، والفتيات الأسيرات القاصرات.
من أصعب مراحل الأسر هي فترة التحقيق؛ فخلال جولات التحقيق يتم إدخال الأسير أو المعتقل إلى زنزانة فارغة من أي شيء، تكون درجة حرارة الزنزانة منخفضة جدا وباردة، ويتعمد رجل المخابرات ترك طاقة الزنزانة مفتوحة لإدخال الهواء البارد طيلة 24 ساعة؛ كوسيلة ضغط على المعتقل لنزع المعلومات منه.
في كافة المعتقلات والسجون، وخاصة معتقل هشارون؛ ينهش البرد القارس أجساد أسيراتنا من الفتيات القاصرات والنساء؛ فالسقف يدلف فوق أسرتهن الحديديه وكل ما يحيط بالزنازين، فالحديد بارد جدا، والتدفئه معدومه، والأسيرات يغرقن بالمطر والبرد القارس.
في الخارج يمكن لكل شخص أن يستدفئ بما أراد من أنواع الدفء؛ لكن في الأسر لا يوجد، كما هو في الزنازين؛ غير دفئ وحرارة جسم الأسير، وأربع جدران وأسلاك شائكة تسرق الدفء، وفي سجن النقب مع ساعات الليل يكون البرد القارس في أوجه.
البرد القارس في سجون الاحتلال؛ له وقع آخر غير الذي في الخارج؛ ففي الخارج يمكن أن يهرب ويلوذ المرء لمواقد النار، أو يلوذ لأي مصدر للحرارة، لتعويض نقص الدفء لديه؛ ولكنه في  سجون الاحتلال إلى أين يذهب!؟ فلا يوجد غير محيط ضيق، ولا يوجد مصادر للدفء والحرارة، وهو ما يقوله ويؤكده الأسرى.
يحاول الأسير خلال موجات البرد القارس كما  هو في هذه الأيام؛ أن ينكمش على نفسه لأجل الشعور ولو للحظات بحرارة جسمه المتناقصة، ووقف “صق” أسنانه ببعضها البعض، مرة تلو أخرى، دون جدوى.
الأكثر عذابا جراء البرد القارس من الأسرى هم من يتواجدون في الزنازين؛ فالزمن يكاد يتوقف، ولا ليل ولا نهار، ولا ساعة، ولا صوت آذان، ولا صباح ولا مساء؛ بل ضوء خافت في سقف الزنزانة، وأصوات السلاسل وطرق أبواب الزنازين، وصراخ التعذيب؛ وهذا كله (كوم)، والبرد القارص(كوم) كما يقولون في المثل العامي.
وخلال زيارات الأهل لأسراهم في كافة سجون الاحتلال؛ يقول الأهالي أن الأسرى يشكون البرد القارس، ورفض الإدارة تزويدهم بشكل كافي  من الحرامات الشتوية أو الألبسة الشتوية؛ وهو ما يفاقم معاناتهم؛ وفي أحيان أخرى يتم إجبار الأسرى على شرائها بأسعار مضاعفة في بعض السجون من خلال ال”كانتين”.
في هذه الأجواء الشتوية؛ البرد القارس ينهش أجساد المعتقلين، خاصة خلال التحقيق القاسي والعنيف؛ فسقف الزنازين يدلف فوق المعتقلين في أحيان عديدة وكل ما يحيط بالزنازين، وحديد الزنزانة بارد جدا، والتدفئة معدومة، ويتعمد المحقق سحب الحرامات من داخل الزنزانة لزيادة تعذيب المعتقل حتى يعترف”.
لا نملك سوى الدعاء للأسرى والأسيرات، وأن يفرج الله عنهم قريبا، ويفك قيدهم ويطلق سراحهم؛ وهو ما بات قوسين أو ادني؛ بفعل أناس شرفاء أخيار، لا ينامون على ضيم، ولا يقبلون ولا ينامون ملئ جفونهم حتى يتم تحرير الأسرى والأسيرات؛” ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا”.