د. خالد معالي
في ظل حالة الانهزام والتراجع العربي، وندرة وقلة المواقف المشرفة التي ترفع الرأس عاليا؛ سجلت الأردنية الدكتورة ريما خلف موقفا مشرفا وبامتياز، وحركت المياه الراكدة؛ بأنه يمكن للإنسان مهما كان موقعه؛ أن يسجل تاريخ حياته بمداد من ذهب؛ إن هو أراد؛ بقليل من الإرادة والعزيمة، والانتماء للمعاني للإنسانية والانتصار لها.
قدمت ريما خلف استقالتها كمديرة تنفيذية لـ”الأسكوا” التابعة للأمم المتحدة؛ لأن الأمين العام للأمم المتحدة طلب منها سحب تقريرها الخاص بإدانة كيان الاحتلال الصهيوني بالعنصرية؛ وكان بإمكانها أن لا تقدم استقالتها، وترضى بما يرضى به الكثيرون في وقتنا الحالي من أصحاب فكر الهزيمة؛ والموضوع أصلا ما كان ليلفت الانتباه؛ مع حالة التراجع العربية والهزائم والفتن والحروب الداخلية المكررة.
فضحية مدوية؛ حيث يمكن الاستنتاج بان استقالة خلف؛ تعتبر وثيقة دولية تبرهن على خضوع المنظمة الأممية لضغوط وتهديدات على يد دول ذات سطوة ونفوذ وحكومات قليلة الاكتراث بحقوق الإنسان، مثل أمريكا ودول أخرى تدور في فلكها.
خلف؛ كشفت عن توجيه تعليمات لها خلال فترة لا تتجاوز الشهرين، بسحب تقريرين أصدرتهما الإسكوا، لا لشوائبَ تعيب المضمون بل بسبب الضغوطات السياسية لدول مسئولة عن انتهاكات صارخة لحقوق شعوب المنطقة.
ورد في رسالة الاستقالة لخلف عبارة: وبديهي أن يهاجم المجرم من يدافعون عن قضايا ضحاياه. لكنني أجد نفسي غير قابلة للخضوع إلى هذه الضغوط.
في العبارة السابقة أعلاه يتبين لكل عاقل  ومنصف ان معدن ريما خلف ليس كبقية المعادن، فالمعدن الطيب لا يصدا ولا  تهزه السنين والحوادث، ولا يتأثر بالضغوط وشهوة المناصب، بل يؤثر التضحية على المهانة.
وتقول خلف في رسالة الاستقالة: أؤمن بأن التمييز ضد أي إنسان على أساس الدين أو لون البشرة أو الجنس أو العرق أمر غير مقبول، ولا يمكن أن يصبح مقبولاً بفعل الحسابات السياسية أو سلطان القوة. وأؤمن أن قول كلمة الحق في وجه جائر متسلط، ليس حقاً للناس فحسب، بل هو واجب عليهم.
لاحظ هنا معي أن ما تقوله ريما ليس  مجرد قول؛ بل اتبعت القول بالعمل؛ وهو ما تجلى باستقالتها، وكان لها ما أرادت من خسارة موقع ووظيفة يرنو لها الكثيرون؛ ولكنها فضلت موقع ووظيفة حب الناس والشعب الفلسطيني، وكل حر وشريف بالعالم.
وتتابع خلف في رسالتها المؤثرة لكل صاحب ضمير: لقد رأيتَ رأي العين كيف أن أهل هذه المنطقة يمرون بمرحلة من المعاناة والألم غير مسبوقة في تاريخهم الحديث؛ وإن طوفان الكوارث الذي يعمهم اليوم لم يكن إلا نتيجة لسيل من المظالم، تم التغاضي عنها، أو التغطية عليها، أو المساهمة المعلنة فيها من قبل حكومات ذات هيمنة وتجبر، من المنطقة ومن خارجها.
وتتابع خلف بالحسرة والألم: والحقيقة المؤلمة هي أن نظام فصل عنصري، أبارتايد، ما زال قائما في القرن الحادي والعشرين، وهذا أمر لا يمكن قبوله في أي قانون، ولا أن يبرر أخلاقياً بأي شكل من الأشكال.
تأمل أيها القارئ العزيز ما ختمت به خلف رسالتها ولك كان تحكم عليها بما شئت من عبارات العز والكرامة: أستقيل، ببساطة، لأنني أرى أن واجبي تجاه الشعوب التي نعمل لها، وتجاه الأمم المتحدة، وتجاه نفسي، ألا أكتم شهادة حق عن جريمة ماثلة تسبب كل هذه المعاناة لكل هذه الأعداد من البشر.