الكاتب: رامي مهداوي

جلست في آخر مقعد من مقاعد المسرح حتى أتمكن من مشاهدة صورة مراسم إفتتاح المسرح البلدي التابع لبلدية رام الله بكل وضوح، أشاهد دخول الحضور المشارك في الإفتتاح من شخصيات سياسية وثقافية ومجتمعية وحكومية، رائحة الذكريات تعشعش في المكان منذ ستينيات القرن الماضي. كم جميل فضاء المسرح الجديد المجهز بأحدث الأدوات التقنية والفنية، كنت سعيد بهذا الإنجاز الذي يرمم الحجر من أجل إستعادة الذكريات.بعد عرض فلم وثائقي وأداء مسرحي حول تاريخ المكان، أخذني عقلي الباطني الى رحلة من الأسئلة لدرجة أحسست بأن عقلي يفيض بالأسئلة والمقارنات لدرجة الإشتباك مع الذات لأصل مرحلة الهذيان بين الماضي والحاضر، بين مفهوم الثقافة كوسيلة نضال من أجل التحرر أم شكل من أشكال الترف الثقافي الفارغ من المضمون والمعنى، حتى وصلنا لمرحلة إن وجد تمويل ولد العمل الفني وإن لم يتوفر تم وأد مكونات الثقافة قبل ولادتها.رغم أن فضاء المسرح هو ذاته؛ إلا أنني أستطيع الإدعاء بأن فضاء الماضي رغم التطور الذي وصل له المسرح في هذا الوقت من تطوير وتطور لن يصل مضمونه كما كان، وهذا ليس تقليل لفعل التطوير في البنية التحتية الرائعة للمسرح ، بقدر ما هو نقد ذاتي في عقلية مجتمع المسرح المكون من جمهور وممثلين ومؤسسات ثقافية وإعلامية.المسرح البلدي في ذات المكان، لكن ثقافتنا هي من تراجعت الى الخلف بشكل رجعي للأسف، والفرد المكون للثقافة أصبح هو من بحاجة الى ترميم عقلي كي نتمكن من تنفس هواء الماضي بهذا المسرح بما كان يحمل من ثقافة المقاومة والصمود والتحدي، حتى مفهوم العمل التطوعي كان في عالم المسرح له نكهة مختلفة بطعم لا أجده الآن بين أغلب المسرحيين والمؤسسات الثقافية التي تهتم في هذا الجانب.كنت سعيد بالتعرف على فرقة “بلابين” التي قدمت عدد من العروض في فضاء هذا المسرح، هذه الفرقة التي أسسها عام 1972 فرانسوا أبو سالم العائد من باريس بعد أن درس الاخراج المسرحي وقد ضمت الفرقة 13 عضوا هم فرانسوا أبو سالم، وسامح العبوشي، وهاني أبو شنب، وعلي حجاوي، وناديا ميخائيل، وعادل الترتير، وحسام التميمي، وماجد الماني، وأميل عشراوي، ومايكل قسيس، وسمير عشراوي، وفيرا تماري، وميلاد كيدان، وانضم اليهم فيما بعد مصطفى الكرد، وسميرة عشراوي، وأمل تلحمي، هم جميعاً عملوا ضمن دافع وأهداف واضحة المعالم بعيدة كل البعد عن الأجندات ومشاريع الممول!!وهنا أجد من المهم التحدث ولو بشكل سريع عن أهمية دعم الفرق المسرحية المختلفة بوقتنا الحالي من خلال القطاع الخاص أو الحكومي، أي دعم المسرح من خلال المال الفلسطيني، لأنه على الرغم من أننا افتتحنا مسرح جديد لكن هناك بعض المسارح على وشك الإنهيار والإغلاق، وبعضها مهدد من قبل الإحتلال كما هو حال مسارح القدس.حاولت الهروب من الهذيان بين ماضي وحاضر فضاء المسرح البلدي، لأستفيق بين الجمهور الحالي، وأمامي على خشبة المسرح مجموعة من الشباب والفتايات تحت راية فرقة سرية رام الله يقدمون عرض فلكلوري يواكب التغيير ليس فقط الذي حدث في المسرح البلدي وإنما ما حدث من تغيير على الموسيقى والدبكة، قمت بالتصفيق لهم بكامل قوتي وإيماني بأن التغيير يبدأ من على خشبة المسرح.