صدر مؤخرا ديوان شعري للشاعرة الفلسطينية د.نفين عزيز طينة “طالبة دكتوراه ادب عربي” موظفة في مديرية تربية وتعليم رام الله والبيرة، بعنوان “فرحتي البكر” عن دار النشر “التوحيدي” في المملكة المغربية في العام 2017، وتلقت الشاعرة خبر فوزها بجائزة يونس أبو هليل للتميز المركز الثالث يوم الخميس 9 اذار.

ويقع الديوان في 88 صفحة من القطع المتوسط، يضم في ثناياه 26 قصيدة.
درست الشاعرة البكالوريوس في الادب الانجليزي، ودرجة الماجستير في اللغويات التطبيقية والترجمة، والان هي طالبة دكتوراه في الادب العربي في جامعة الملك محمد الخامس بالرباط.
بدأت نفين الكتابة في سن مبكرة لكنها أدركت موهبة الشعر في سن الـ 14 بعد فوزها بجائزة المناظرة الشعرية بالمركز الأول على مستوى مدارس مديرية القدس، شاركت بمسابقة بأمير الشعراء الموسم الماضي ووصلت للنهائيات، وشاركت في مهرجانات شعرية دولية في مصر ولبنان والأردن والمغرب، حاصلة على جائزة عبد الرحيم محمود للإبداع 2013 المركز الأول، وجائزة عبد القادر الحسيني في مصر للشعر الفصيح 2015 المركز الأول، وبالأمس تلقت خبر فوزها بجائزة يونس أبو هليل للتميز المركز الثالث، تكتب الشعر باللغتين العربية والانجليزية وتترجم الشعر.
وفي مقدمة الديوان كتب الدكتور محمد حجو من جامعة محمد الخامس بالرباط مقدمته بعنوان “زغاريد المعاني”
تلبس أذهاننا فرحة بريئة حين نتعلم أن المعاني مطروحة في الطريق. وحين نلقي بخطونا لنسير إلى المعاني، تتلبد لغتنا حيرة وتنطعا وتيها. فهاهي المعاني معروضة تتلألأ بزينتها في مدن اللغات، سافرة أحيانا، أو مقنَّعة متوارية في تخوم الرمز والإيحاء أحيانا أخرى؛ فأين هي الطريق؟ وكيف المسير؟           السير إلى المعنى هو تلك اللذة الملتبسة بأنين المخاض طيلة الطريق التي يسلكها الأديب بصحبة اللغة وعشرتها لتتولد(صور) مسحات الجمال الشعري رنينا على أنقاض الأنين؛ فتتشح اللغة برونقها الموسيقي وتتحرر ملكاتها إلى عوالم الأذهان فرحا أو طربا أو شجىً…
        “فرحتي البكر”، قصيدة بأجنحة فراشة، وعنوان للديوان البكر للشاعرة الفلسطينية نفين طينة، وهي قبس من تلك المعاني المتراقصة في “وادي عبقر” التي تشتهيها روح الشعر، فيصطادها الشاعر بأناقته وحسه الفني المرهف. وبما أن دوري هنا ليس دور الناقد المتفحص والمتسلح بالعدة النقدية اللازمة لاستجلاء وتتبع مكونات الشكل والمضمون، من موسيقى وأسلوب ولغة ومواضيع وأبعاد رمزية، وغيرها من مكونات الإبداع الشعري وسيميائياته، فإنني أقترح سفرا جماليا نعبر خلاله بعض مكامن عالم هذا المولود الشعري البكر.
        لا يشذ هذا المولود عن طبيعة المواليد، فكأنه ذلك الكائن الإنساني حديث العهد بالدنيا وبنور الحياة؛ يصرخ من أول سطر له على درب التأليف، تأليف أيام عمره/ شعره. وذلك في أبهى وأحلى ما تشتهيه نفس الإنسان: مشهد من العاطفة الجياشة الرقيقة، في مطلع أول قصيدة من الديوان ” همس قلبي”. يصور”المشهد الشعري” بتلك الصرخة الأولى التي تمتد وتتمدد في ثنايا عمر الإنسان رغبة الكائن البشري الدفينة والمُلحَّة في الحنان والأنس والأمان، وإحساسه بجمال الحياة وتناغمه الداخلي التلقائي النابع من سليقته المرتبطة بطبيعته وشرط وجوده: 
                  ولما كنتُ أصرخ كنتَ تأتي       إليَّ على جناح من حنان                                             تُدثّرني وتمسح دمع روحي         وتهمس لي فأنسى ما اعتراني                                        وتفْرش قبلة فوق انفعالي           فأغفو في ربيع من أمان
         هذه الأسوار الشعرية تقول لنا إن الإنسان يعيد نفسه في زمن دوري؛ يظل طفلا في حبه وأحاسيسه وفي عشقه ونفوره. فمن ذا يُكذّب أن التاريخ العاطفي للإنسان يعيد نفسه، والحال أن الإنسان هو من “يؤلف” التاريخ بالعمارة والهدم، والحبر والحرب والدم… ومع ذلك يحلم بالانفلات من ثقل هذا الزمن ليهرب من شَرك تعاقبه وتعقبه، بالمجاز والحقيقة، لينسج لروحه خيوط أحلام الخلود؛ ولو بالرجاء والأمنيات وهمس القلب:
وليس لهمس قلبي من رجاء      سوى حبّ يفر من الزمان
        هكذا هي صرخة الشعر، تطلع همسة من القلب؛ من عمق الإنسان وهو يحفر التراب بأظافره، وليس ليقتات فاكهة وخبزا وحَبّا فقط؛ وإنما ليقتات معنى وجمالا وحُبّا أيضا، ويقاوم ضد الفوضى والهباء. 
                       ( ف)  لولا المحبة في جوارحنا       لتبعثر الإنسان كالورق
(من قصيدة احتراق حتى مطلع الفلق)
        بعد هاتين القصيدتين، تصطف أربع وعشرون قصيدة أخرى عِقدا من النظم الشعري برونق موسيقي راق، في بهاء لغوي ينم عن جمال الروح التي ينبع منها هذا الدفق الشعري المتين. ولعل عناوين القصائد بذاتها تسعف محبي الشعر والمكتوين بعذوبة ترانيمه لتلمُّس تجربة الشاعرة؛ فهي ليست فرحة بكرا فقط، بل “أفراح يانعة”، يختمها “فرح شحيح”، عنوان آخر قصيدة في الديوان. وقبله: بسمة بدون موعد، وحديث الروح، وحماقاتي العذارى، وسنابل ولهى، وشهادة حب، ونبض العمر، ونبية الأحلام… وغيرها من العناوين الموحية والحبلى بالجمال التي تؤثث عتبات القصائد.
        وبما أن الشعر، كباقي إخوته في منظومة الفنون، يشيّد كيانه من تراب الأرض التي ينبت فيها، فإن تراب فلس”طين” يحضر كثيفا ليعبر عن معاناة نفين “طينة”، وعن هواجسها وقلقها وأسئلتها عن الأمس الشفيف الضائع في المعاناة والغد الغامض الأكمد، وعن الوطن والذات. ليس وطن الخريطة والمساحة والجغرافيا، إنه وطن من “التراب الأم” الذي يسكن وجداننا، ونحلم أن نراه ينعم بالأمن والسكينة، لأنه يعيش فينا ويستوطننا كجنين يأبى أن يغادر من مخدعه المستكين إلى لجة العالم، مخافة الغربة والضياع والوهن. من قصيدة “على هامش الفتنة:
               إني كرهت طلوع الليل في بــــلــــــــــــــــدي          وهاهـو القــلب في ريعانه وهَــنا                                       (…)                                                                                         وكــيف أُفـــتَن والأوغاد في وطـــــــــــــــني           يُـدنّسون بسُـمِّ الظـلم أيَّ مُـــنـى                              يا موطن الخير يا جرحا يُريق غدي          عِــمِ اصْطبارا لعل العجز يعتقنا 
        إن هذا الإحساس بالضعف والوهن والتيه العاطفي إزاء وطن يحتاج منك أن “تُـطعمه” من كيانك ومن دم عمرك، وترعاه بكل جوارحك لكي لا ينكسر أكثر مما هو عليه من الانكسار، ولكي لا يضيع؛ لأن ضياعه هو ضياعك وتلاشيك وخسارتك الأبدية، هذا الإحساس هو أقصى أو أقسى ما يمكن أن يبتليك به التاريخ؛ أي أن يعزلك إلى نفسك ليصير كيانك الفردي سجنا لعمرك، تعيشه بسرعة ولهفة، لأنك تخاف أن ينقضي وتسيل منك الأيام وأنت لم تطعم بعد وطنك الجنين. هذا هو المناخ الروحي الحزين “القاحل” من السكينة والطمأنينة الذي يعيشه الوطن في قصائد الشاعرة. إنه وطن نخلة الشرق المصطبرة على الجدب والقحط وعقم الغيم. من قصيدة “قميص النور”:  
                أنا نخلة شـــمّاءُ لا ماءَ حولـــــــــــــــــــها        تُـراقص ظلي الأمـــنيات وتـــلثُم                                   ركبت جناح الصبر في كل كُرْبة        ولم أكُ إذْ ما مسَّني الضّرُّ أسأم
       ماذا يمكن للكائن أن يطلب من وطن يتوجع من قهر التاريخ؟ والوطن وجد ليكون مرفأ وحضنا ومأوى من هجير الغربة. فهل للإنسان، بضعفه وهشاشته في زمن القهر والتردي، أن يحضن الوطن؟ بامتداد الشعر في تاريخ الوجدان الجمعي، تستطيع الشاعرة نفين طينة أن تحضن الوطن، وأن تمنحنا إحساسا بدفئه وهو يعيش فينا، ويسكننا ويلبَسُنا لنكون له رداء يقيه الامّحاء والزوال. من قصيدة “نورس على شاطئ الحب”:
                            وطني الملبَّدَ بالخريف وبالأسى                                                                         ما بالُها الأوجاع تضْربُنا بغير هدى؟                                                                   قل لي لماذا الريح تعصف ضدَّكْ؟                                                                      أنا مذ وُلدتُ على ضفافك نورسا                                                                        لمّا أزلْ للآن أحتضن ابتسامتنا وأطلب ودَّكْ                                                             وطني المخضَّبَ بالجراح وبالمواجع والشجونِ                                                           أما اكتفتْ عيناك تذرفُ مثل غيمٍ وجدَكْ؟  
       ولذلك تتماهى عاطفة الحب الجميلة  مع الإحساس بالانتماء للوطن، وطن ما، أرض ما، ولو أن هذه العاطفة مشوبة بهواجس المنفى وأحاسيس الخوف والضياع. كما نلمسه في قصيدة “شهادة حب”: غرامك أجمل أرض _ لأنفي أعوام عمري إليها (…) وحين أحس ببعدك عني _ أُجن وأغرق في جب حزني _ وأغدو كطير جريح مقيد. وهذا طبعا ليس قصرا على هذه القصيدة، بل هو إحساس متناثر في عديد من المقاطع الشعرية ذات المنحى “الغزلي” المشوب بالرقة وأحاسيس الحب.
        صراخ الولادة نداء طفولي بإعلان الخروج من عالم للولوج إلى عالم آخر. هكذا انطلقت لغة الشاعرة في أول بيت من ديوانها، لتحكي لنا صرخة كصرخة طفل يبغي حنانا ودفئا وأمانا… هذه الصرخة تتكرر في آخر بيت من آخر قصيدة، لتمثل “قفلا دلاليا”، على غرار القفل في النغم الموسيقي، لتكتمل دورة الحياة في الديوان. ولكن هذه المرة في شكل نداء صريح: 
                    يا موت خذني علَّ لي عمُرا        من بعد، رُبَّ سيُزهر العمُـرُ                  
        في هذه القصيدة الأخيرة من الديوان: “فرح شحيح” تتغير اللغة لتـنتف المعاني نتفاً من معجم الضجر والسأم والخوف والاغتراب. فيغيب الأنس والإحساس بالأمان، وتشح اللغة وتفقد وهج الفرح من أول بيت في القصيدة:
                    وحدي وهــذا العـمر يُحــتضر       لا شيء إلا الحزن والصور 
         فهل هي هندسة واعية متعمدة ومعتمدة من الشاعرة في ترتيب القصائد، أم هي مجرد مصادفة تؤدي معناها من تلقاء الإحساس الفطري بمسار الحياة في وعي اللغة أو لاوعيها؟ الجواب ليس مهما. ولا داعي لانتظاره؛ ما دام البناء/ الديوان قد صار جاهزا ليُعمِّر في تاريخ القول الشعري. وهو ديوان يمنح للقارئ المتذوق العاشق للشعر دفقا من رونق الموسيقى ومتعة التغني بالقراءة وجمال اللغة، فكأنها تزغرد المعاني وليست تقولها قولا إنشاديا فقط.