أظهرت ردة الفعل الدولية الأخيرة على إعلان الرئيس الأميركي المنفرد، للقدس عاصمة لإسرائيل، حجم التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية عامة ومع حساسية موقفهم تجاه مدينة القدس المحتلة على وجه الخصوص، وأثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه بوسع الفلسطينيين تحقيق إنجاز دولي مؤثر إذا ما اتخذوا الخيار الدبلوماسي بإرادة وضمن إستراتيجية شاملة معنية بالمصلحة الوطنية الفلسطينية أولا وأخيرًا.
وكان إعلان الرئيس الأميركي، قد أثار غضب واستنكار معظم الدول العربية والإسلامية، رغم تجنب الدول المنطوية في تحالف مع الولايات المتحدة للتصريحات المباشرة لإدانة القرار، كما نددت الدول الأوروبية تباعًا، والتي تملك معظمها علاقات جيدة مع إسرائيل بالقرار، إلا أن حساسية وضع القدس، دفعهم إلى رفض إعلان ترامب، والتأكيد على تبنيهم لقرارات الأمم المتحدة بشأن المدينة المحتلة.
وانطلق التحرك الدبلوماسي الدولي للتصدي لقرار ترامب فور إعلانه للقرار الأميركي في 6 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، حيث دعت الجامعة العربية لعقد جلسة طارئة، أعقبها عقد جلسة لمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول، واتصالات فلسطينية مع دول غربية وعربية فاعلة، لينتج عن كل ذلك صياغة مصرية / فلسطينية مشتركة لمشروع قرار قدمتها جمهورية مصر العربية لمجلس الأمن، الإثنين الماضي.
احتاج مشروع القرار المصري لإقراره في مجلس الأمن، إلى موافقة 9 دول من الأعضاء الـ15، صوتت 14 دولة لصالح القرار، بيد أن “الفيتو” الأميركي، منع المصادقة على القرار الذي صيغ من صفحة واحدة ونص على أن “أي قرارات وتدابير تهدف إلى تغيير هوية أو وضع مدينة القدس أو التكوين السكاني للمدينة المقدسة ليس لها أثر قانوني، ولاغية وباطلة ولا بد من إلغائها التزاما بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة”.
لم تأت مسودة مشروع القرار على ذكر الولايات المتحدة أو رئيسها، رغم أنه يأتي بعد إعلان ترامب في السادس من كانون الأول/ ديسمبر الجاري القدس عاصمة لإسرائيل، وذكرت وسائل الإعلام العربية أن تجنب الإشارة المباشرة إلى أميركا بمشروع القرار، جاء بناء على توصيات إثر مشاورات مع أطراف أوروبية ومع مسؤولين في واشنطن نفسها، ما أتاح المجال أمام أميركا استخدام “حق النقض”، الإثنين الماضي، ما أفشل القرار.
ومن المقرر أن تصوت الجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم الخميس، على قرار يدعو الرئيس الأميركي، إلى التراجع عن قرار اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.
ومن أجل عقد اجتماع عاجل للجمعية العامة للأمم المتحدة، يتعين أن يكون هناك تهديد ضد السلام، وعدم تحقيق توافق في مجلس الأمن الدولي، حيث ستسعى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اتخاذ خطوة مشتركة حيال التهديد وتقديم توصية حوله وذلك وفقًا لقرار رقم 377 المعروف بقرار “الاتحاد من أجل السلام” الذي تم المصادقة عليه عام 1950.
ولغاية اليوم عقدت 10 اجتماعات طارئة في تاريخ الأمم المتحدة، ووفقًا للقرار المذكور، كان آخرها في 2009 حول الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية والأراضي الفلسطينية.
يأتي تصويت 193 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم، لمصلحة مشروع القرار التركي ــ اليمني الذي يمنع تغيير الوضعية القانونية للقدس ويحظر نقل أي دولة في العالم سفارتها المعتمدة لدى إسرائيل، إلى القدس ويدعو أميركا إلى سحب قرارها القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، في ظل تهديد وترهيب أميركي بقطع المساعدات الأميركية والمعونات عن الدول التي ستصوت ضدها.
وارتفعت لهجة التحذير الذي أطلقته سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، من أنها ستبلغ الرئيس ترامب، بأسماء الدول التي ستدعم مشروع القرار المطروح للتصويت.
وقالت السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة في رسالة وجهتها إلى سفراء عدد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إن “الرئيس دونالد ترامب سيراقب هذا التصويت بشكل دقيق وطلب أن أبلغه عن البلدان التي ستصوت ضده”، وأضافت محذرة، “سنسجل كل تصويت حول هذه القضية”.
يأتي ذلك بالتزامن مع الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الحكومة الإسرائيلية بالتواصل مع دول أوروبية وأفريقية لمحاولة إقناعها بالتصويت ضد مشروع القرار، غير أن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى حصول الفلسطينيين على غالبية في الجمعية العامة، إلا أن هناك تغييرا معينا لدى بعض الدول بسبب الضغوط الأميركية والإسرائيلية، وأنه من المتوقع أن يتغيب ممثلو عدد من الدول عن التصويت.
وبحسب تقديرات إسرائيلية، فمن المتوقع أن تصوت هنغاريا ضد القرار أو تمتنع عن التصويت، إلى جانب جمهورية التشيك. كما تتوقع ألا يصوت الاتحاد الأوروبي الإجماع على مشروع القرار.
من شبه المؤكد أن ينخفض عدد الدول المؤيدة عن سقف الـ 176 دولة، وهو عدد مؤيدي قرار الجمعية العامة الخاص بحق الفلسطينيين في تحديد مصيرهم، والصادر في نيويورك مساء الثلاثاء، إلا أن الضغط الإسرائيلي الأميركي قد يؤدي إلى تراجع نسبة التصويت لصالح إقرار، خشية من غضب واشنطن، من دون أن يعني ذلك أن هناك احتمالاً بألا ينال غالبية مطلقة.