الرئيسية >> ثقافة >> قيد الطبع بعمان- فصل من رواية “وارث الشواهد” لوليد الشرفا

قيد الطبع بعمان- فصل من رواية “وارث الشواهد” لوليد الشرفا

من هوس الروايات إلى هوس الحالات؛ الطبيب يعيد صياغة المؤرخ

كيف للطبيب أن يعيد صياغة المؤرخ؟ الطبيب الذي يعايش الحالات، لا يمكن له التسليم بالاحتمالات والروايات. الطبيب الذي فزع على صوت معركة عنيفة متشابكة، فيها الرصاص وصوت الحديد، وفيها اختلاط العربية بالعبرية.للتو كان الوحيد قد غادر وتركني في المطعم الذي كان مسجدا، دقائق قليلة، أرى بركة من الدم، أرى الوحيد عند زاوية الحمام يصرخ: أريد الشاهد. بالقرب منه شرطي انتقع شعره بالدم.أخترق الجمع محاولا الاقتراب من الوحيد، أرى عينيه قبل أن تنهال عليه الهروات والركلات، يفور فمه بالدم، وتتراخى كفه التي امتدت نحوي. منذ ليل ذلك اليوم وفي صباح اليوم التالي، لن أعود مجددا إلى سكينتي، وربما سأكتشف على طريقة الطبيب إنني كنت مريضا؛ فقد كشفت هذه الدماء أعراض مرضي .اقتادوا الوحيد إلى السجن، وفي اليوم التالي تكتب الصحف الإسرائيلية عن ذلك المؤرخ والأكاديمي الفلسطيني الخائن، الذي تنكر لتصريح الدخول الذي منحته إياه إسرائيل لمرافقة جده المريض، وأن هذا الأكاديمي الذي أقلق العالم بالإنسانية ورفض القتل وبشر بالمحبة لم يكن إلا كاذبا مهووسا بالحقد، دخل إسرائيل للقتل، وارتكب خيانة تشبه سرقة الضيف لبيت مضيفه واغتصاب زوجته. لقد أثبت الوحيد -حسب الصحف العبرية- أنه يجب على إسرائيل أن تراجع سياستها في حسن النوايا تجاه الفلسطينيين، فهذا المؤرخ مريض بالكراهية، واختلق الروايات ليبرر دمويته.لقد تم استدعائي أنا (الإسرائيلي) الدكتور بشارة، لأثبت أنني لم أكن شريكا ومتآمرا، ولأعلن براءتي من وحشية هذا الفلسطيني الصديق، الذي استغلني واستغل صداقتي، وعاد قاتلا بعد أن استقبلته إسرائيل وجده مريضا .أما أنا فأعلن على طريقة التقرير الطبي أن هذه الرواية مقنعة، وسأقول للوحيد قبل غيبوبته وغرقه بالدم، بأنني سأكتب حالته. قالها: “اكتب حكايتي”. وأنا أقول حالته أعرف أنا الطبيب معنى الحالة التي ترفض الاحتمالات إلا على سبيل الفحص، وأعرف الفرق بين المختبر والأحلام. ولأنني طبيب سأكتب الوحيد حالة وليس رواية، فأنا نفسي أصبحت حالة جديدة بعد رواياته، وقد أصابتني لعنة الحالات بديلا عن الروايات .بداية التفاعلكان الوحيد حالة تنتج حالات أخرى، يمزق السكينة ويمنحها أيضا، وأنا الآن أكتب الوحيد دون احتمالات وهوس الروايات. هنا رواية وحيدة لا يوجد فيها تلقيح رباني أو صناعي، إنها حالة طبيعية، لكنها أيضا تكشف حالات موت الملقح بعد الحمل، وماذا يضر أو يفيد موت الملقح بعد الحمل، ملقح وحيد ينجب ملايين الروايات، على رأي الوحيد !إسرائيل ستعلن أنها ربما تقدم على تنفيذ حكم الإعدام بحق الوحيد، وستتنازل عن إنسانيتها (استثنائيا )؛ لأن الجريمة استثنائية. وفي كل يوم من أيام المحكمة والظهور العلني للوحيد سيطلب مني الحضور بصفتي شاهدا. وسأعمل على اكتساب الوقت وأكتب حالة الوحيد وحالتي في سباق مع الزمن من أجل توثيق عملية خسارتي للسكينة التي كانت دماء الوحيد ذروتها وليست بدايتها. أكتب مختفيا وشاهدا ومواطنا (إسرائيليا) ومسيحيا محبا. كل ذلك سيتجمع صامتا ولا أدري متى ينفجر؟ وربما لا أدري لماذا كتب علي وراثة كل هذه الفواجع؟ وللمرة الأولى سأعايش الأمراض التي تنتج عن التاريخ، وعن العلاقة بين تلقيح الجنين في رحم امرأة وتلقيح الأسطورة من روايات الرب في عقول البشر، إذ كيف للأسطورة أن تصبح عرقا؟!مقدمة لتقرير طبيوأنا أكتب هذه العبارات تظل كلمات الوحيد تجتاحني منذ اللحظة الأولى التي تعرفت فيها إليه في مسرح عريق عند زاوية تحدها غابة، كان الوحيد يقضي فيها وقتا طويلا، سمعت صراخا بالعربية تعليقا على مشهد موت الممثل على المسرح، وأنا حزين ، كنت أفكر، هل كان الموت سكتة قلبية أم دماغية ؟ أو ربما انفجار في الشرايين؟الوحيد هذا الفلسطيني مثلي ، أو ربما أنا مثله، الطويل الوادع، ذو النظرة العميقة الهادئة، قليل الكلام عميق التأثير مثل الحقنة. ستظل كلماته ترعشني: “يا بشارة ، وصلت كل هذا العمر وأنا أحلم بأن أعود إلى البيت مساء واجد والدي، هل تصدق؟طيلةهذه السنوات يستعيد الوحيد على مسامعي اللحظات الأولى لنبش التراب عن قبر والده، وكيف هرب مرارا ليسترق النظر متخيلا أن والده سيقوم من التراب وينفض الغبار عن قميصه وبنطاله وكتبه، وسيسأل عنه، ويهرول نحوه ليحتضنه؟ تحمر عينا الوحيد ويتنهد: لكنهم انتشلوه منكمشا نحيلا، سقط حذاؤه بعد أن أصبح واسعا على قدميه اللتين تآكل لحمهما. حملوه مسرعين، وسرقت أنا النظرة الأخيرة إلى كفه التي تحولت إلى عظام مغطاة بجلد أسود، حاولت التقدم لالتقاطها، لكن جدي نادى علي، حملني وضمني إلى حضنه، وهمس : “تعال يا سيدي”.منذ تلك اللحظة أردد عبارته: إن الثغور التي يحفرها الحزن والألم في النفس لا تعود للامتلاء عند زوال أسباب هذا الحزن ونعود للفرح. ظل يتحدث عن جده وعين حوض، وعن البيت والسور الحجري وشجرة الخروب وجامعة النجاح التي هجرها قبل تخرجه بوقت قصير، والبيت الجديد على سفوح نابلس باتجاه الساحل والبحر. سيظل ذلك الحوار الساخن في ليلة باردة يعود إلى ذاكرتي في تعليق على الموت الذي انتشر في نابلس وحيفا والقدس وجنين، وعمليات الاغتيال الإسرائيلية بالصواريخ والطائرات، وعمليات الشباب الفلسطيني، وحصار ياسر عرفات، واتفاقية أوسلو. سيظل ذلك الحوار يصرخ بوجهي :”أنتم يا أخي أكثر رقيا منا، تعيشون في بيوت جميلة، وتتحدثون العبرية”.فأرد عليه : “إيماني بالمحبة يجعلني أسامحك وأعود إليك، لنكتشف أنفسنا هنا”.رد علي مرتعشا: “عن أية محبة! وبأي رواية عن الرب ضحكوا عليك”؟منذ تلك اللحظة، أصبت بحالة الحمى الأولى لدخول فيروس جديد إلى نفسي صادر حالة التوازن والتصالح مع النفس التي تربيت عليها طيلة سني عمري، ولم تعد عبارات المحبة والأب والابن تفرض السكينة علي، لقد أصابتني لعنة الوحيد كما أصابت ” ريبكا “صديقتنا، وزوجته لاحقا.لقد حدق بي ماسكا كتفي بكلتا يديه قائلا:”إن سؤال العدالة أهم من سؤال المحبة يا بشارة. فاسأل نفسك وربك عن روايته الحقيقية، فربما كان ابن الله أو خادم الله أو عبد الله! ومن يدفن أباه ليس كمن يرثيه” .بداية ظهور الأعراضتبدأ عمليات التحقيق مع الوحيد، ويتم استدعائي بين فينة وأخرى ليذكرني المحقق اليهودي ذي الأصول البولندية بأنني مواطن إسرائيلي، وسأخسر كل امتيازاتي، وسأخون الثقة التي بناها التعايش بيننا نحن-العرب- واليهود لعشرات السنين إذا أخفيت عن التحقيق أي شيء وثبت تورطي أو تعاطفي مع الدكتور الفلسطيني الذي يدعى “الوخيد “. لماذا أنا عربي وهو فلسطيني مثلا؟في الممر في مشفى حيفا، الذي يخترق الشاطئ نحو السماء فيبدو تحته المتوسط كجسد ملتو، هذا المشفى الذي أصبح معلما من معالم حيفا (الإسرائيلية الجديدة)، يرتفع نحو خمسة وعشرين طابقا، مليئة بقصص الموت والمرض والشفاء لمواطنين فلسطينيين ويهود.في اليوم الأول بعد عودتي للعمل، تعود رائحة سليمان الصالح ودموع الوحيد وذكريات اليوم الأخير في الطريق إلى عين حوض، دخلت المصعد باتجاه الطابق العاشر حيث قسم الجراحة، ومع كل إضاءة لرقم جديد باللون الأحمر في المصعد سيدق قلبي، فأنا أعود غريبا وجديدا نحو مشفى حيفا مصابا بلعنة التحول وشبهة التآمر. أفتح الباب، أقول: صباح الخير لزملائي اليهود بالعربية، يبتسمون ابتسامة متشابهة، يردون بالعبرية :” بوكير توف بشارة”. يسالون عن الأولاد وينفضون بسرعة من حولي .وحده يتسحاق يأتي إلي مسرعا، وهو طبيب أبوه شيوعي فرنسي وأمه هولندية، كان مهذبا وطبيبا بارعا، سهر معي حول سليمان الصالح دون أن يقدم أية خدمة له، كما وعدت الوحيد، يسألني عن ماري زوجتي والأطفال. أستشف الإرباك والحيرة في عينيه .مشيت معه باتجاه شرفة الطابق العاشر المطلة نحو البحر. ومع نسيم البحر ستعود رائحة سليمان الصالح ورائحة شجر الخروب في عين حوض، وستحمل الأمواج وجه والدة الوحيد التي تركتها قبل أيام وحيدة في بيتها في نابلس بين قبرين: قبر سليمان الصالح وقبر والد الوحيد. يقترب مني يتسحاق، وننظر سويا إلى البحر .- كيف الأمور بشارة ؟- بخير .- أتمنى أن تخرج من هذه الأزمة بسلام .- أتمنى ذلك يتسحاق .- هل كان لا بد أن تحضر ذلك العجوز إلى هنا بشارة ؟- تقصد سليمان الصالح؟- نعم .- ما رأيك أنت ؟- منذ أن جاء إلينا هو وحفيده وأنت في المشاكل.في تلك اللحظة ، أدرت وجهي نحو يتسحاق، وقلت له بالعبرية:أنتم من جاء إلينا يتسحاق؛ تذكر بيت سليمان الصالح يبعد نحو عشرين كيلو مترا من هنا يعلم أبناءكم الفن.هز اسحق رأسه وعاد إلى الممر. وبقيت أنا أنظر نحو البحر، وأستعيد صراخ الأطفال والعباءات والكوفيات الفلسطينية التي ركبت هذا البحر نحو المجهول والعذاب والوحل والبرد والمطر والمذابح. نعم أنتم من جاء إلينا يتسحاق .هذه هي الأعراض الأولى للحالة الجديدة، قبل نحو ستين عاما كان هذا الشارع لخالي ولجد الوحيد، والمنزل الذي يسكنه فنانون في عين حوض هو منزل سليمان الصالح بعد أن سمحت المحبة والقوة بأن تصبح عين حوض، ( عين هود)، وشارع الاستقلال، شارع (العتصمؤوت) التي تعني الاستقلال بالعبرية.قال لي الوحيد في بلاد المحيط: “يا بشارة في مقبرة الاستقلال، حيث الشارع الوادع الذي يمشي عند قدمي جبل الكرمل، ويمد رأسه نحو البحر ويظل يمتد نحو حواري حيفا، ويدلك على وادي النسناس، في هذا الشارع كان محل جدي”. ويا أيها الوحيد كان محل خالي هنا أيضا، خالي القابع الآن في الصحراء والمنفى وقد جاوز الثمانين. أعرف الآن يا وحيد لماذا يصر خالي على أن أرسل له صورة لشارع (الاستقلال) في كل مناسبة، ولمنزله الذي تسكنه (ايلا)، المنزل ذو الشباكين المقوسين الذي يضرب موج البحر جدرانه.الآن فقط يعود الجسم لاكتشاف أمراض العقل، ولماذا تعود الذاكرة نحو الشباب عند اقتراب الموت، وأعرف الآن ماذا يعني أن تدفن في ترابك. يعترف خالي بأن جدران البيت الحجرية المغطاة بالطين المجلوب من سفوح الكرمل تناديه، ويبوح لي بأنه دفن فيها رسائل حبه لابنة خالته التي كانت تدرس في مدارس الفرير في عكا، وعن القصائد المكتوبة بالحبر السائل الأسود، وعن نظرات الحب الأولى مع نسيم البحر ساعة الغروب، وعن رحلات سريعة إلى جبل الكرمل حيث تحول خطوات الحبيبة التراب إلى حرير. “نفسي أشوف الرسائل قبل ما أموت يا خالي، وأمشي على حصي البحر”، أن تربي ابنك في حضن الغريب، هذه هي حيفا، الآن.العودة المعاكسةنعرف نحن في الطب أن الجسد إذا مرض ودخله فيروس، أو حدث تحول تعطل في عمل الأعضاء، يحدث تحول عصبي يستثير جهاز المناعة. ونعلم كذلك أن الجسد رهينة مؤجلة للحالة العصبية، وأن أي تحول عصبي سيؤدي إلى تعديل في عمل الأعضاء، ويكون التوازن بالدواء، ومن ثم الجراحة لإجراء تعديل مباشر. الآن، يستجيب جهازي العصبي للأعراض الجديدة للتأثير الذي أصاب جهاز التذكر الخاص بي.بعد أن نزلت من المشفى، ها أنا أخترق شارع الاستقلال وقلبي يدق. على يساري المطاحن الكبرى المطلة على ميناء حيفا، هنا تخزن( إسرائيل) القمح لتطعمنا، ويطير الحمام، هذا الحمام (الإسرائيلي) الآن هو جيل متناسل ربما التقط الحب من محل جد الوحيد. وعلى اليمين مني قرب الشاطئ في حديقة في ظل جبل الكرمل ساعة انفتاحه نحو الشاطئ وقبل الإنطلاق نحو شارع الاستقلال، كأني أرى للمرة الأولى ما كنت أراه دوما منذ أكثر من عشرين سنة؛ غواصة خضراء ضخمة يتجاوز طولها الثلاثين مترا، ترتفع في وسطها معدات عسكرية وفوهات مدافع توحي بالهيبة والخوف، أو هكذا أشعر. وعلى جوانبها تتوزع قوارب صغيرة مثلما تلتف الفراخ حول أمها. أمامها بأمتار قليلة تربض سفينة حربية بيضاء هذه المرة، إنها أكثر بشاشة، تذكر (الإسرائيليين) وأنا منهم (طبعا)، بالعناصر الأساسية للاستقلال. الغواصة وهي حرب تحت البحر تتجسس وتخترق، والسفينة الحربية وهي للحرب المكشوفة للهجوم والقتل في وضح النهار لا تختفي، . والى جانبها مثل الغواصة بعض القوارب الصغيرة والمدافع المحمولة، هكذا يبدأ شارع ( العتصمئوت ) أي الاستقلال وقت الزمن الفلسطيني.أتفحص كل هذا وأنظر جهة اليمين ويرتجف وقلبي وتتسارع أنفاسي: السور القديم قبل إعلان (استقلال إسرائيل)، أو الحجارة البنية الكالحة، والطين المحفور حول الحجارة.

أشم الآن مرة أخرى وللمرة الأولى منذ عشرات السنين رائحة الموت على جسد سليمان الصالح، وأتفهم أمنية خالي بأن يدفن في مقبرة الاستقلال وهي مقبرة للمسلمين. أسير ببطء والشارع يعج بالحياة، لم أر أجساد الجميلات المتمايلات من بنات العم، فنحن جميعا نسل أنبياء! ولم تعد مؤخراتهن المنحوتة تستفزني، لا أراها. بدلا من ذلك أرى المحلات القديمة بأبوابها المتشابكة المستطيلة يعلوها قوس حجري مكون من عشرة أحجار مرتبة على شكل نصف دائرة، يعلوها شباك مستطيل، وتصطف في فراغه سبعة قضبان حديدية صامتة مغلقة على حكايات خالي وجد الوحيد، أبوبها مغلقة، بعضها احتفظ ببابه الحديدي ما قبل تأسيس أو إعلان (إسرائيل).

سلسلة من المحلات المخروسة المخنوقة غصبا، لماذا أغلقوا الأبواب بالإسمنت؟ أسير كأني أخطوا على جثثت وأنات وأفواه تصرخ، لكن لا يعلو صوتها. أقترب من مقبرة الاستقلال وأوقف السيارة للمرة الأولى أمام المقبرة التي مشيت بمحاذاتها طوال عشرين عاما. أقترب نحو سور المقبرة وأنظر نحو القبور التي بدت مثل هوة مرعبة؛ إذ تحيط بها العمارات البيضاء الشاهقة، والشوارع الواسعة والمقرات الحكومية.كانت المقبرة محطمة الشواهد-الشاهد الذي كاد أن يجعل من الوحيد قاتلا- هنا مئات الشواهد وهناك في عكا الآلاف، وفي يافا مثلها وغيرها، والوحيد ليس وحيدا. حجارة سور المقبرة متهالكة ومتآكلة. أتحسس السور وتراب المقبرة في الظل، بالكاد تصل إليها أشعة الشمس جراء العمارات، كأني أسمع صوت الموتى المخنوق، وبكاءهم من الوحدة والهجران. عيونهم مغلقة بالطين تماما مثلما أغلقت أبواب المحلات والدكاكين والمنازل التي هجر أصحابها منها بالإسمنت، فيما خنقت الشبابيك والأبواب بالطوب، إنهم كمن يصب الطين في فم الميت وعينيه. في محاولة لحبس الذكريات .أسمع تأوهات البيوت المخنوقة، وأتساءل للمرة الأولى عن أصحاب هذا المنزل الفخم الذي يبدو كسيرا على يمين مسجد الاستقلال، أين أصحابه الآن؟ وأين أحلام مراهقاته وألعاب أطفاله؟ ثلاث طبقات من الحجارة العمياء حزنا. أين فراشه الدافئ؟ وأين ملابس العذراوات الفلسطينيات؟ وأين صندوق أسرارهن الذي أصبح مرتعا للعاهرات الرخيصات ومستمني الليل؟ أين رواد شرفته المتمايلة نحو البحر؟ وأين سمر الجميلات ومرتدي القمباز والتطريز؟ تحت أي سقيفة في مخيم أصبحوا؟ إنه سؤال العدالة يا وحيد !منازل كثيرة غيره في الأزقة والحواري الباردة الآن، شبابيكها وأبوابها مغلقة بالطين، بعضها كتب عليه للبيع بالعبرية. لا يريدون للشبابيك أن تتنفس ولا لأحد أن يشم دواخل البيوت الأصيلة ويتحدث مع ذكرياتها، ولا لأحد يعيد حكايا العجائز والشباب الذين كانوا يغازلون بنات الهوى في ذلك الشارع الذي عبر عن أجواء حيفا المراهقة، يريدون كل ذلك بالعبرية !كيف للطبيب أن يعيد صياغة المؤرخ؟ الطبيب الذي يعايش الحالات، لا يمكن له التسليم بالاحتمالات والروايات. الطبيب الذي فزع على صوت معركة عنيفة متشابكة، فيها الرصاص وصوت الحديد، وفيها اختلاط العربية بالعبرية.للتو كان الوحيد قد غادر وتركني في المطعم الذي كان مسجدا، دقائق قليلة، أرى بركة من الدم، أرى الوحيد عند زاوية الحمام يصرخ: أريد الشاهد. بالقرب منه شرطي انتقع شعره بالدم.