الرئيسية >> تقارير ومقابلات >> ولويل : ستون عاما مع معشوقته الذهبية

ولويل : ستون عاما مع معشوقته الذهبية

قلقيلية_ راديو نغم _ إعداد غيداء الحج حسن ، وأزهار الجدع :- في أزقة الحي، حيث تنتشر عبق الرائحة في المكان، تتسارع خطواتنا لتسير نحو اكتشاف مصدر الرائحة لذيذة المذاق، حتى تلتقط أنظارنا عربة تستقر أمام منزل بسيط من منازل الحي، تبيع تلك الحلويات الشرقية الذهبية المحبّبة للجميع، العوامةّ كما هو متداول أو لقمة القاضي كما يسميها البعض.

 

هو منزل عبد القادر ولويل،  الرجل الثمانيني ، الذي تهجر من قريته  كفر سابا في العام 1948م ، يسكن في مدينة قلقيلية الان ، وهو أب لأربعة أولاد وسبع بنات .

 

يجلس ولويل محاطاً بأحفاده وأولاده في المنزل، يروي لنا تفاصيل رحلته مع صنع العوامة، بدأ يتكلم بجمل مقتضبة تعتريها الفرحة تارة فترتسم الابتسامة في كلماته ، ويطيل الصمت تارة أخرى بدمع وشوق حزين.. متكئاً على أريكته بكتفه الايسر، تشرد عيناه بعيداً ليسرد لنا قصته مع معشوقته الذهبية… كيف لا وستون عاما لم تعرف يديه غير العجينة ؟

 

فمنذ نعومة أظافره عكف ولويل على عمل العوامة ، حيث أمضى أكثر من ستين عاما وهو يكور حبات حلوى العوامة الشهيرة في رمضان ، ففي بغداد كانت انطلاقة عمل ولويل في العوامة حيث حمل عربته وطحينه ، وسافر من قلقيلية لبغداد في عمر لا يتجاوز ال 24 عاما ، لكنه لم يلبث أكثر من شهر في بغداد حتى عاد لأرض الوطن ، ليتابع عمله في العوامة.

 

عندما عاد من  بغداد كان الجيش الأردني مازال في البلاد ، وبتنهيدة حزينة  يتذكر ولويل  ما حصل معه  في العام ١٩٥٦م ، ليسطر حكاية جديدة من حكاياته الشهيرة التى لم تقتصر على العوامة فقط ، فبدأت الحكاية عندما أخذ مكان شخص من الحرس الاردني على قمة برج عسكري لحراسة المكان ، فإذا بالاحتلال الاسرائيلي يضرب البرج بقذائفه ، ليصاب ولويل بجراح خطيرة في رأسه وسائر جسمه التي مازالت آثارها حتى اليوم ، ليرويها لأحفاده على مر السنين.

 

بعد فترة قصيرة اشتهر ولويل في قلقيلية وكانت البلاد آنذاك قد وقعت تحت الاحتلال الاسرائيلي ، يروي بابتسامة نعجز عن فهمها قائلا:” كان اليهود يجوا يشتروا العوامة من جنسيات مختلفة “.  حتى قدّم له يهودي عرضاً بالعمل في اسرائيل إلا أنه رفض قائلا : “الوطن غالي ” .

 

تحدث ولويل عن مكونات عوامته الشهيرة قائلا:” ما فيها سر، بتتكون مثل اي وصفة عوامة  ، من الطحين والمي والخميرة وشوي من الملح بس كنت استخدم نوع معين من الطحين وكنت اجيبه من نابلس وبشوف هاد هو السر بالطحين المنيح، اليوم ما في نفس الطحين الي كنت استخدموا من ستين سنة بس بستخدم احسن انواع الطحين وبجيبوا من قلقيلية ”  .

 

ما أن يرفع آذان العصر حتى تمتلىء أسواق مدينة قلقيلية بالمتسوقين الذين يأتون من القرى المحيطة وداخل الخط الأخضر ، اللافت للانتباه وأنت تتجول في الأسواق، الأعداد الكبيرة من الناس التى تتجمع حول محل بائع العوامة في المدينة ، فبعد مرور ستين عاما على عمل ولويل في العوامة لم يقتصر عمله في بيته وعربته ، بل استطاع أن يمتلك محلا  في السوق الرئيسي ليتجه إليه المتسوقين من كل المناطق .

 

من عادات الناس في شهر رمضان المبارك أنهم يتسارعون على شراء الحلويات الشرقية قبل موعد الافطار أو بعده، فترى اقبالا محلوظا من قبل الناس على عوامة أبو محمد التي تتزين بها موائد الصائمين في شهر رمضان.

 

قالت زوجة ولويل أم محمد:” عوامة أبو محمد وصلت لروسيا واليمن والعراق وعمان” ، وأضافت قائلا :” على الرغم من أنه منعرف نعمل العوامة  بنفس طريقته في البيت الا انه  ما بتطلع مع حدا مثل ما بتطلع مع ابو محمد  بمسك العجينة بطريقة غريبة وبتحس العجينة سهلة بايده” .

 

وتضيف أم محمد  أن الادوات التى يستخدمها ولويل في قلي العوامة (كالمغرفة ) التى جلبها معه من بغداد لا تزال موجودة حتى اليوم ، كذلك الحال بالنسبة للعربة الشاهدة على بداياته مع العوامة لا تزال واقفة امام المنزل .

 

وقالت أم محمد:” أن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمود العالول عندما جاء لقلقيلية اشترى عوامة أبو محمد وفي شخصيات كبيرة بالبلد برضو ما بتحب الا عوامته “.

 

أرهقته السنين، وهو يشقّ اسمه بين الخلائق لكن ما يهون الأمر عليه أنّه وصل لمبتغاه حتى غدا اسمه مثلا أعلى لصانعي الحلوى.

 

ولويل اسم يتردد على ألسنة كل شخص دخل مدينة قلقيلية ، فعند دخولك محل العوامة الخاص به لا تخرج منه إلا وحملت كميات كبيرة من عوامته التى تعاقبت عليها الأجيال جيلا بعد جيل ،وبعد أن تتذوق طعمها اللذيذ فلن تتوقف عن الحضور مرارا لشرائها .

 

الآن وبعد مرور ستين عاما على عمل ولويل لم تنته حكاية العوامة الشهيرة فقد توارثها عنه أولاده وأحفاده وبناته ، حتى أصبحت مصدر رزقهم جميعا .

 

ستون عاما متواصلة لم يتفوق عليه أحد في صناعة العوامة ، حتى غدت بفضله حكاية حلوى شعبية يتذوقها الناس بقطرها في شهر رمضان وعلى مدار العام.