الرئيسية >> مقالات >> ناصية وجع

ناصية وجع

كتبت :  ريم تيسير غنام
ناصية وجع
على أرصفة الأيام تُروى حكايات حملت أوجاعاً نثرت نفسها على أرضية الحاضر لتُنبت آلام حسرةٍ على ماضيٍ ولى دون رجعة… لا تبالي بأمنيات و آمال الخلاص من دمعات قلوبٍ لم تعد تُواكبْ راحة بالٍ أو فرحةَ روحٍ… فمطبات الحياة آلمت آلوفاً من أؤلئك الذي لم تحتمل قلوبهم تلك الأحجار الجارحة التي تعترض دربهم يوماً تلو الآخر…
  رغم تلك الأوجاع  التي سكنت الأرواح.. و رغم دمعات القلوب التي ترسبت على ناصية الأيام… لا زالت  الأحلام على قائمة انتظار السفر إلى عالم الواقعية بتذكرة ذهبية من التفاؤلِ؛ فأبت أن تتناثر في عالم السراب؛ بل آثرت أن تسير في درب الأمل عساها تجد نورا يجعل منها واقعاً يرسم كلماته على أرصفة الحقيقة دون آلامٍ أو أوجاعٍ…
فبين شاب ضاعت حياته في زخرف الرقي الكاذب… و فتاة ضحكت منها خديعة الحب….
و بين طفل و طفلة ضاعت طفولتهما في ظلمات الفقر
 بين غلاء معيشي اصطنعه حصار مُتعمد… وبين عجزٍ على التعايش وسط مطبات ذلك الحصار….
بين ظلم عاداتٍ أوقع فتيات في فخ الرضوخ لزوجٍ لا يعرف للزوجية حق…. و بين طمع أخوة حرم أخريات حق الميراث المشروع….
بين أنانية الطمع … و ضعف الإيثار
و بين بكاء الصدق على ضياع رونقه و بين ضحكة الكذب بانتصار رواياته المُؤقت….
بين طاغية المصلحة التي داست عجلتها كل حب و صفاء… و بين براءة العطاء الذي تاهت ملامحه في طرقات الظلم…
بين تفاهة فكرٍ لم يعد يهتم إلا برغد الحياة ذا الا معنى…. و بين طهارة قلبٍ لا زال يصبو للحب…
بين ضياع قيمٍ وسط حب الذات المفرط الذي قتل معنى الإخلاص…. و بين تعلق بعاداتٍ عريقة لا زال أثر شرفها يدق أبواب الحاضر في انتظار عبوره لمستقبل الوفاء….
بين عجز هذا أو تلك على الإنجاب… و بين حلمهما بإحساس الأمومة و الأبوة…
بين ضحكات بالية لا معنى لها إلا في عالمِ الخديعة..  و بين ضحكات فرح تغرس نفسها في الأرواح رغم تراكم الدمعات..
و بين تفاوت الأوجاع…. تتأرجح قصص الآلام بين الصمود و الانكسار… لتترك أثرها على جدران الكيانات و يبني بعضها من الصمود جداراً من قوة الأمل على الاستمرارية بضحكة بريئة و حركاتٍ حياتية بديلة… بينما يركد بعضها في بُحيرة الاستسلام الكاسرةٍ فلا يبالي أصحابها بأي شعاع أمل يطل على نافذة قلوبهم من زاوية التفاؤل…
تفتخر الخيبات بنصرها ظناً منها أن نصرها على الأمل نصراً أبدياً لا جدال فيه…. تظن أن تشاؤم نظرتها سيبني جدرانٍ عازلةً من اليأس لتخيم سماء من أوقعوا ذواتهم في قوقعة الاستسلام لإخفاقٍ في تحقيق أمنية أو حلمٍ…
لكن! يخيب أمل تلك الخيبات لتسقط بكل قوة من أعلى جبلٍ للصمود… فتنكسر كفتاتٍ زجاجٍ لا يُمكن إصلاحه؛ فتغدو بلا فائدة… و بلا جدوى…. فتعود إلى أدراجها مكسورة الأنف… تبكي فشلها في السيطرة على أرواحٍ عشقت حب الحياة و ركلت أوجاعها بقدم التناسي… لتحيا تارةً أخرى بصمود و عزيمة…
  إنها حكايات شعبٍ عاصر الكثير و الكثير من آلام الحياة؛ تلك المفتعلة لتصنع من احاسيس هذا الشعب  كلمات صماء المعنى لا يسمع صداها سواه هو… جعله عبداً للقمة العيش…. أعمى تفكيره في انتظار فرصة عمل تلائم جسده حتى و إن كان على حساب كرامة علمٍ أو كيانٍ…. فهذه غزة لا تفكر إلا في كهرباء أو محروقاتٍ للطهي أو الإنارة… بات أهلها يفكرون في فك أسرهم و لو لأيامٍ من قضبان الإغلاقات متعددة الاتجاهات
الكثير و الكثير من أوجاعٍ تحدثت عن نفسها في حكايات أُناس عذبتهم تيارات الحياة بكل جبروتها… و رغم كل ذلك يبقى صمودها على قيد الحياة… لا يبالي بأي محاولاتٍ لإخفاقه و إسقاطه في سيلان الفشل…
و يبقى الأمل نبراسَ حبٍ للحياة…