الرئيسية >> مختارات >> القطب الشمالي يواجه خطر الذوبان وأطماع دولية حوله

القطب الشمالي يواجه خطر الذوبان وأطماع دولية حوله

أوضحت قياسات أجراها علماء بيئة مؤخرا، أن طبقة الجليد في القطب الشمالي ثاني أبرد منطقة في الكرة الأرضية، بلغت أدنى مستوى لها هذا العام، بالرغم من المساعي الدولية لاحتواء أزمة الانحباس الحراري.

وأشارت مجلة “مونغاباي” العلمية البيئية، الإثنين الماضي، في تقرير لها نقلا عن عدة أبحاث، أن معدل سمك الجليد في القطب الشمالي تراجع بشكل غير مسبوق في الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، مقارنة بالفترة ذاتها من الأعوام السابقة، بسبب ارتفاع درجة حرارة مياه المحيط أسفل طبقة الجليد.

ولفت التقرير أن سمك تلك الطبقة في الأشهر الخمسة الأخيرة من كل عام، يكون عادة في أدنى مستوياته، إلا أنه قد لا يتجاوز هذا العام مترا واحدا، مقارنة بنحو مترين في الفترة ذاتها قبل 30 عاما، ما ينذر بتحول المحيط الشمالي إلى مياه دافئة تجول فيها ناقلات النفط والحاويات، ويُفقد الأرض عنصرا آخر في توازنها البيئي.

وبالرغم من إظهار مختلف الدول، وخصوصا التي تسيطر على أجزاء من القطب الشمالي (روسيا، وأمريكا، وكندا، والدنمارك، والنرويج، وآيسلندا)، اهتماما (متفاوتا) بمسألة التلوث البيئي عموما، والنشاط الإنساني في القطب خصوصا، وتبادلها الاتهامات في هذا السياق، إلا أن الأطماع الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة تطغى على أي اعتبارات أخرى.

وبالفعل تسعى الدول لكسب طريق تجاري جديد، إذ تمكنت روسيا في أغسطس / آب الماضي من نقل شحنة غاز مسال من النرويج إلى كوريا الجنوبية عبر المياه المتجمدة، على متن الناقلة العملاقة “كريستوف دو مارجري”، الأولى والوحيدة في العالم من نوعها، من حيث قدرتها على كسح الجليد دون الحاجة إلى معدات إضافية بسرعة وكفاءة عاليتين.

ونقل تقرير لشبكة “بي بي سي” البريطانية في 24 من ذلك الشهر، عن شركة “سوفكومفلوت” (Sovcomflot) الحكومية الروسية، المصنعة والمالكة للناقلة، أن الرحلة استغرقت 19 يوما، مقارنة بأكثر من 27 يوما عبر طريق قناة السويس التقليدي.

يؤذن ذلك “الإنجاز” بدخول عدة أطراف في سباق لتصنيع ناقلات من ذلك الطراز، ولبسط النفوذ على ذلك الطريق، وإن كان أنصار البيئة يزعمون أنه لا يختصر الكثير من الوقت بحيث يستحق المغامرة باختراقه، وسط مخاطر تلوث المياه والجليد، إلا أنه يعد في المقابل طريقا بديلا مهما للطرقات التقليدية.

من جانب آخر، فإن هذا الطريق الجديد يشعل تنافس الدول المصدرة على الأسواق الكبرى، وخصوصا في قطاع الطاقة، فسوق الغاز بكوريا الجنوبية مثلا، التي وصلتها شحنة منه عبر الطريق الجديد من النرويج، تسيطر عليه دولة قطر منذ سنوات، الأمر الذي قد يشهد تراجعا في السنوات المقبلة، علاوة على تأثيرات ذلك على أسعار الطاقة عالميا.

أوروبيا، يعد ذلك خبرا جيدا بالنسبة إلى دول شمال القارة، على حساب دول الجنوب التي لطالما كانت مركزا مهما في التجارة بين أوروبا وبقية دول العالم، ما سيعمق أزمات تلك الدول الاقتصادية، وخصوصا إيطاليا وإسبانيا.

إلى جانب البعد التجاري فإن ظهور طريق جديد في الشمال يعد تحديا جديدا لاستراتيجية “احتواء الصين” التي تنتهجها الولايات المتحدة وعدد من حلفائها منذ سنوات.

وفي هذا السياق، أطلقت بكين عام 2013 استراتيجية “الحزام والطريق”، سعيا إلى إيجاد شراكات استراتيجية مع عدة دول لضمان وصول بضائعها إلى الأسواق الكبرى حول العالم، بالإضافة إلى عدة مشاريع موازية بالتعاون مع باكستان، للنفوذ إلى المحيط الهندي، بعيدا عن منطقة جنوب شرق آسيا، ومع روسيا، لإنشاء طريق بري مباشر إلى أوروبا.

إلا أن تلك الطرقات لا تعوض طريق مضيق “ملقا” بجنوب شرق آسيا في قطاع الطاقة، فمنه تعبر 82 % من واردات الصين من النفط بحسب تقرير لمجلة “فوربس” عام 2016، فيما سيشكل طريق القطب بديلا معقولا، بحيث ينقل موارد الطاقة من روسيا والدول الإسكندنافية، إلا أن ذلك، في المقابل، سيعمق من اعتماد الصين على روسيا اقتصاديا واستراتيجيا.

أشار تقرير أصدرته جامعة “ستانفورد” الأمريكية عام 2015، إلى أن القطب الشمالي يحوي 90 مليار برميل من النفط، و17 ترليون قدم مكعب من الغاز، و44 مليار برميل من الغاز المسال، أي 16 % و30 % و26 % من احتياطات العالم من تلك المواد، على الترتيب.

تشعل تلك الأرقام الصراع بين الدول لتوسيع سيطرتها في تلك المساحات القاحلة من الجليد، وما يترتب على ذلك من تحالفات وتحركات استراتيجية، أبرزها دعوة موسكو للصين إلى الدخول في شراكة للاستثمار في ثروات المنطقة، سعيا منها لتعزيز موقفها في مواجهة أي تحالف غربي مضاد يجمع الولايات المتحدة وكندا والنرويج والدنمارك وأيسلندا، وفق تقرير لوكالة “رويترز” للأنباء عام 2013.

ومع ذوبان الجليد، وتطور تقنيات النقل والتنقيب في ظروف القطب، سيشهد العالم تحولا استراتيجيا مهما بانتقال قدر كبير من تركيز تلك القوى العظمى إلى ذلك الجزء من العالم.

وبالمحصلة، فإن تلك المعضلة البيئية وامتداداتها الاقتصادية، تشكل عنصر تجاذب كبير حول القطب الشمالي بين مختلف الأطراف المعنية.

وقد توصل المجتمع الدولي إلى اتفاق “تاريخي” في باريس عام 2016، لكبح جماح التلوث والحد من ظاهرة الانحباس الحراري، التي تتسبب بارتفاع درجات الحرارة على الأرض، وخصوصا في القطبين، إلا أن ذلك ما يزال مثار أخذ ورد، خصوصا منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة في واشنطن مطلع العام الجاري، وإعلانه الانسحاب من الاتفاقية في يونيو / حزيران الماضي.

إلا أن مراقبين للشأن البيئي يرون أن الأهم بخصوص الحفاظ على القطب الشمالي، يتمثل في وضع حد لأنشطة التنقيب على الثروات، وعسكرته في إطار الصراع على السيادة فيه، علاوة على مساعي شق طرقات تجارية عبره.