الرئيسية >> علوم وتكنلوجيا >> كيف انتقلت “آبل” من الإفلاس إلى التريليون دولار وهل ستستمر؟

كيف انتقلت “آبل” من الإفلاس إلى التريليون دولار وهل ستستمر؟

راديو نغم :

سمع معظمنا قصصًا مُلهمةً اكتسبت عظمتها أو حظيَت برواجِها، نظرًا للنجاح الكبير، ومنقطع النّظير الذي جسّدته، لا سيّما أن عددا منها انبعث من تحت الرّماد، فسطّرت قصّة نجاحٍ لافتة، خرجت فيها من الفشل أو الفشل الوشيك، لتصل إلى أعلى مراتب النّجاح، بل وربّما اعتلت عرشه.

 

وحينما نتحدّث عن قصص نجاح لافتة، وإنجازات كانت تبدو مرّة مستحيلة، لا يمكنُ ألّا نذكر “قصّة النّجاح غير العاديّة”، لشركة آبل، وفقَ وصفٍ أطلقته عليها “نيويورك تايمز” الأميركيّة، التي استعرضت في تقريرٍ لها تطور شركة آبل في غضون 21 عامًا، وانتقالها من حافة الإفلاس إلى أكثر الشركات التي يتم تداول أسهمها في الولايات المتحدة قيمةً بتخطيها التريليون دولار.

 

وفي موقعها الإلكتروني، نشرت “نيويورك تايمز” تقريرا يُسلّط الضوء على مسيرة آبل، التي كانت في عام 1997، على “حبل المشنقة”، إذ قال مؤسّسها، ستيف جوبز حينها، إنه تخلى عن ثلث القوى العاملة فيها، بعد 90 يوما من السير نحو الانهيار التام.

 

(أ ب)

 

ويُبرز التّقرير نقاطَ قوة امتازت بها الشركة، وعلى رأسها إنتاجُ بعض المنتجات التكنولوجية، التي تُعدّ الأكثر شعبية في العالم، مثل iMac، وiPod وiPhone، ما يعني أن اللحظة التي دخلت فيها آبل التاريخ، أمس الخميس، كأول شركة أميركية مدرجة بالبورصة تكون قيمتها أكثر من تريليون دولار، رافعةً بذلك أسهمها 3 في المئة، لم يكن من قبيل الصدفة.

 

وكي تكون الشركة العامة الأكثر قيمة في العالم، صعدت آبل من حافة الإفلاس إلى الشركة المتربّعة على عرش الأكثر قيمة في العالم، لتكون مثالَ التحول في قطاع الأعمال، عبر تحويلها إلى شركة تتميز بالابتكار السريع، وسلسلة من المنتجات المهمة، مع إنشاء سلسلة توريد متطورة تغطي العالم، في حين تنتج كميات هائلة من الأجهزة المتطورة.

وبالطّبع، لم تكن الطريق إلى القمّة مُمهدةً بالورود، بل كان الصعود مليئا بالجدل والمآسي والتحديات، مثل الانتقادات التي وُجّهت إليها، بعد ما قيل إنها من العمال ذوي الأجور المتدنية في بلدان أخرى، على حساب الأميركيين الذين تحرمهم من الوظائف.

 

 

 

 

وواجهت الشركة العديد من الأسئلة حول إمكانية استمرارها في النمو، لا سيّما عندما توفي ستيف جوبز، في عام 2011، بعد معركة مع سرطان البنكرياس، وكان يبلغ من العمر حينها 56 عاما.

 

وأثار جوبز إعجاب الكثيرين بسبب التحول المبهر الذي أحدثه في الشركة، والذي كان يتمتع بأسلوب حاد في الإدارة، واعتُبر أشهر شخصية في صناعة التكنولوجيا، حتّى أن رئيس البرامج السابق لشركة آبل، آفي تيفانيان، الذي انضم إلى الشركة في عام 1997، قال: “هل يمكن لأي شخص أن يتخيل ما سيحدث في آبل خلال ذلك الوقت (…) كنا نأمل في جعل الشركة ناجحة للغاية وقيمة للغاية. لكن هل من اعتقد أنها ستصل إلى ما هي عليه اليوم؟ بالطبع لا. ولم يفكر ستيف في ذلك أيضا”.

 

وكان جوبز، قد آبل في عام 1976، في مرأب منزل في وادي التكنولوجيا في كاليفورنيا مع ستيف وُزنياك. وكانت مهمتها صناعة أجهزة الكمبيوتر على أن تكون رخيصة وصغيرة وبسيطة بحيث يمكن أن تصبح منتجًا في السوق، وبحلول الثمانينيات، كانت الشركة واحدة من أشهر العلامات التجارية في العالم. لكن في عام 1985، تمت الإطاحة بجوبز في انقلاب بمجلس الإدارة. في السنوات التالية، كانت الشركة تحاول المناورة في سوق الكمبيوتر الشخصي الذي ساعدت على ابتكاره.

 

وقال المدير المالي السابق لآبل، فريد أندرسون: “آبل تعثرت بسبب نقص الأفكار الجديدة، والمنتجات الفاشلة واضطراب القيادة، فقد ضلت طريقها”، ويضيف أنه بعد فترة وجيزة من انضمامه في عام 1996، بدأ عرض السندات بقيمة 661 مليون دولار لإبقاء الشركة على قدم وساق. وقال: “لم أكن أعرف مدى سوء الأزمة حتى بدأت تتكشف”.

 

وبحلول نهاية ذلك العام، خسرت آبل 867 مليون دولار وكانت القيمة الإجمالية لأسهمها أقل من 3 مليارات دولار، ما دفع الشركة المنهارة إلى قرار “المُقامرة”، فاشترت شركة Next، وهي شركة تكنولوجيا يديرها جوبز، مقابل 400 مليون دولار. وعاد الأخير، الذي لا يزال مرادفا للعلامة التجارية آبل، إلى الشركة التي أسسها، وفي ذلك قال جوبز في أحد تصريحاته اللاحقة: “لقد كان الوضع أسوأ بكثير مما كنت أعتقد”. بذا، خفض 70 في المئة من الخطط الإنتاجية، وأطلق الحملة الإعلانية “Think Different” وبدأ بالتفكير في كيفية انتشال آبل من مأزقها الكبير.

 

وفي اجتماع داخلي عام 1997 مع الموظفين، قال جوبز: “نحن نحاول العودة إلى الأساسيات”، وتابع قائلا: “السؤال الآن ليس: هل سنتخلى عن شركة آبل؟ أعتقد أنه يجب أن يكون: هل يمكننا جعل آبل رائعة حقا مرة أخرى؟”.

 

بعد الاجتماع، أصبح التركيز على البساطة سمة مميزة لشركة آبل، من ملابس جوبز (الجينز والجاكيت الأسود)، وصولا إلى طريقة تصنيع المنتجات، وعرضها في محلات البيع بالتجزئة، وفي عام 1998، طرحت شركة آبل جهاز iMac G3، وهو كمبيوتر مكتبي مستدير وشامل تكنولوجيا. تحول هذا المنتج إلى ضربة قوية لمصلحة آبل.

 

وبدأت الشركة تستعيد نشاطها وعافيتها، عقب إصدار جهاز iPod، وهو مشغل الموسيقى المحمول الذي غيّر على الفور تقريبًا علاقة المستهلكين بالموسيقى. وعندما ظهر الجهاز لأول مرة في عام 2001 بيع منه أكثر من 400 مليون وحدة، وتم التأكيد أن شركة آبل لم تكن مجرد شركة كمبيوتر، إذ تم إقران الجهاز مع iTunes، متجر الموسيقى للشركة، والذي من شأنه المساعدة في تحسين صناعة التسجيل.

 

 

وامتدح كين كوسيندا، وهو مهندس برمجيات آبل منذ فترة طويلة، قائلا: “كان جهاز آي بود خطوة مهمة حقا”، لكن “آي فون” كان في الحقيقة الجواب النهائي عن السؤال التالي: “ماذا سيأتي بعد أجهزة الكمبيوتر الشخصية؟”.

 

لقد حوّل جهاز iPhone طريقة تفاعل المجتمع مع التكنولوجيا، وسرعان ما أصبح واحدًا من أفضل المنتجات مبيعا على الإطلاق: لقد تم بيع أكثر من 1.4 مليار قطعة منه منذ طرحه في عام 2007. لم يكن أي منتج أو قرار سيرفع قيمة آبل إلى تريليون دولار كآي فون. بعدما أعلن جوبز عن جهاز iPhone، بلغت قيمة الشركة 73.4 مليار دولار.

ويقول الموظفون والمحللون إنه في حين أن جوبز يستحق التقدير للإشراف على إعادة النظر في رؤية الشركة وابتكاراتها، فإن خليفته، تيموثي دي كوك، لعب أيضا دورا حاسما في هذا التحول عن طريق إصلاح طريقة بناء آبل لمنتجاتها، إذ أعاد تجديد خط توزيع آبل واعتمد بشدة على عقود التصنيع في الصين، الأمر الذي منحه المرونة والتوفير في التكاليف لبناء المزيد من الاستثمارات الضخمة، كما أشرف أيضًا على الإنتاج خلال فترة الارتفاع في قيمة آبل. (بلغت القيمة الإجمالية لأسهم الشركة 346 مليار دولار عندما تولى رئاسة الشركة في آب 2011). فقد كان كوك ثابت الأهداف، وساهم في تحويل iPhone إلى مشروع ضخم، من تصنيع الهواتف إلى الإكسسوارات ووصولا للخدمات الخارجية.

 

اليوم، ومع وصول قيمة آبل إلى مرحلة تريليون دولار، وبعدما أصبح عمر iPhone حوالي 11 عامًا، من المرجح أن تزداد الضغوط على الشركة لتطوير منتج جديد ناجح، إذ هناك أجهزة شعبية أخرى صنعتها آبل، مثل iPad وApple Watch والإصدارات المحدثة لأجهزة الكمبيوتر الشخصية، ولكن لم يقترب أي منها مما فعله جهاز iPhone من تحولات في تاريخ الشركة، وهناك تحديات أخرى، إذ إن آبل تعتمد على الصين لبيع كميات كبيرة من منتجاتها، بالإضافة إلى تصنيعها، وهو أمر يمكن أن يتأثّر بفعل اختمار الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

 

في النهاية، قد يكونُ ما قاله المحلل والاستشاري في مجال التكنولوجيا، التابع لآبل منذ ما يقرب من 40 عامًا، تيم باغارين، أفضلَ تعليق قد يختزل عِظَم قصّة النّجاح التي رسمت آبل ملامحها: “لقد شكلت آبل أحد أعظم التحولات التي شهدتها الشركات في تاريخ الأعمال (…) السؤال المطروح هو: هل يمكن لشركة آبل الاستمرار في الابتكار؟”.