الرئيسية >> مقالات >> رائحة التبغ بقلم : أ. عبد القادر محمود شواهنة

رائحة التبغ بقلم : أ. عبد القادر محمود شواهنة

راديو نغم :

 

رائحة التبغ

كان حديثه لنا دافئاً ، تتسع حدقات العيون كلما انتظرنا كلمة أو حرفا تنبس به شفتاه المشققتان واللتان كانتا بلون الخريف من أثر التبغ ، كان يشعل سيجارته في آخر الليل فتنتشر رائحة التبغ انتشار الذكريات والأحلام ، كنا نشعر حينها بالأمن والطمأنينة لأننا كنا ندرك أن الذي يشعل سيجارته هو الرجل القوي ، نأخذ في مطاردة خيوط الدخان وهي صاعدة متعرجة فينقلب الليل طقسا احتفاليا يخلو من الحلوى والأضواء .

كان يبتسم دائما وحيناً يضحك عندما نتسابق جميعا للظفر بالتمرغ في حضنه ، مستمتعين بفركه أنوفنا واحدا تلو الآخر ، ثم نتسمر حوله فاغري الأفواه ، يشدنا حديثه العتيق عن جدي وعن شجرة التوت والبئر يتوسط ساحة البيت ، كان حديثه ينتشر في زوايا البيت وأضلاعه انتشار رائحة الخبز البلدي ويزداد انجذابنا لحديثه حين يذكر ذلك الكلب الأحمر الذي كان يرقد تحت عتبة البيت يحرس الفراشات والاحلام مِن أن تحطّ على عنب الآخرين ، كنا لا نشعر بالزمن يفرّ من بين أصابعنا ولا يوقظنا من نومنا إلا صياح الديكة في الحارات .

كبرنا وكبرت معنا الهموم والأحلام حتى أصبحت بحجم شجرة الخروب ، تقبل المواسم وتدبر ، وما زال بيدرنا ساحة عرس وصلاة ، يتدلى القمر ليلا ، يلامس أكف الفلاحين وينير جباههم التي علاها الندى ، يأتي صوته مبتهجاً باقتراب الموسم ـ غداً سيكون لقاؤنا التالي مع شجرة الزيتون ، يصحو ونصحوا جميعاً مع أنفاس الفجر ، يجمع لنا من الزاد ما يكفينا متعة النهار، وأول عمل يقوم به إشعال النار ليصنع لنا الشاي بطعم المريمية نقضي نهارنا في العمل وعند الغروب نجمع ما تيسّر من الحب والتعب عائدين عبر طريق الصبّار ، وبسرعة الفرح تعدّ لنا أمي العشاء وتعيد ترتيب الفراش فنندس تحته ، أما هو فيأخذ لفافة التبغ كعادته وتنفلت منه الحكايات ، يسرقنا الليل منه فتقفز احلامنا صغيرة بحجم ما تبقى لنا من ليل .

في زاوية البيت الشرقية كان يحتفظ بجرة عتيقة يضع فيها اشياءه وأسرار الأيام الاولى ، وكلما سألناه عما تخبئه تلك الجرة ، هزّ رأسه يمنة ويسرة وقال : إن حبات المطر لا تنزل إلا عندما تعجز الريح عن حملها .

مرّت الأعوام مسرعة تفرق الأبناء ، تزوجوا وأنجبوا الأطفال والأحلام ، اتسعت مساحة التجاعيد على جبينه لم تعد أمي تقوى على المزيد من الأعباء ، موسم الحصاد يزحف ولكن سنابل هذا العام تخبيء بين حباتها حزنا كبيرا ، نهارنا يتثاقل، وليلنا تفزعه موجات السعال وهي تخرج مزمجرة من حنجرته ، حزيران يقترب بهزائمه وأوجاعه ولن نقدر على الحلم مرتين ، هكذا كانت تقول لنا شجرة التوت ومع اول خيوط التاسع من حزيران ضاقت الأرض بما رحبت ، همّ مسرعا نحو الجرة ، حاول فتحها لكنها تدحرجت وانتشرت شظاياها تملأ المكان ، فرت من داخلها بنفسجة حملتها الريح بعيدا وبقيت الجرة جريحة تحرسها رائحة التبغ وتحفر في الذاكرة وجع الرحيل في حزيران.

 

رائحة التبغ

” في رثاء والدي محمود شحادة شواهنة ”

بقلم : أ. عبد القادر محمود شواهنة

رئيس قسم الكتب والمطبوعات التربوية / قلقيلية