الرئيسية >> ثقافة >> بطاقة وأسلاك أ. عبدالقادر شواهنة

بطاقة وأسلاك أ. عبدالقادر شواهنة

راديو نغم :

كانت السماء تنصت لرحيل الخريف  الذي سلب الأشياء أنفاسها ، وجعل الأرض مثقلة بنزف حزين ، كان خريف ذلك العام طويلا يعد بمزيد من التيه والضياع حيث كان ينحني على قلوب أهل الأرض انحناء العمر وأقواس المطر .

” متى تتكسر الدنيا على هذا الرصيف ؟” قالها سعيد وهو خاشع ينظر وجوها تجمعت لمعرفة ما تخفيه عيناه الشاردتان اللتان تطلان ثم تختفيان خلف الأسلاك ، كانت الأسلاك مجدولة حول عنقه بإحكام فهي تحتضن أرض البدايات المرّة ، لقد كانت تودّعه بحنان الجنازات وترشّ بعض التراب حول جفونه اليابسة .

وقف أمام صمته وحيرته وصرخ : ماذا تريدون ؟

لقد خرج سعيد من دائرة الصمت العذب فهو لم ينطق بكلمة واحدة منذ وداعه ” أم الزيتون” فهو كغيره من أبناء قريته الذين خرجوا وابتعدوا ثم تاهوا وهم يبحثون عما افتقدوه من ” المعنى ” .

كان سعيد يسكن قرية جميلة ولكنها  صعبة ، حيث تطلّ على قلب ” أم الزيتون ” ، شوارعها وحاراتها وأزقتها بلا حدود ، وشمسها كانت تودّع أبناءها وتستقبلهم دون ضجر أو صدود ، قمحها طير ، وملحها عرس، وليمونها يحكي ماضيها وينشد للقادمين . هذا الشبح أخذ يطارد سعيدا ويملأ عليه تفكيره .

” ماذا تريدون ؟” قالها ولكنه لم يتلقَ سوى الصمت ، ولم يرّ غير التشوّه والاحمرار في العيون التي التفّت من حوله لتشنقه ، لقد اعتادت عيونهم قتله ألف مرة ولكنها رغم ذلك تجذبه للحديث في الوقت الذي تخطف الكلمات من بين شفتيه ، وفجأة تظهر من بين الضجيج المتناثر حوله عينان تمزقان الفضاء وتخترقان الخصب في عينيه . يتوقف سعيد عن الفوضى ثم يغرق في بحر من الأسئلة يحادث نفسه عن الذي رآه قبل لحظات ، هل كانتا عينين ؟  أم هما قطعتان من ليل ثقيل؟ أم هما غابتان ظلّ نجمهما ؟

اهتز جسده للحظات ،ثم توجه الى وسط الجامعة حيث الكافتيريا وهناك رآى صديقه خالد ودعاه لكي يجلس معه لتناول بعض المشروبات ، وطوال جلوسهما لم يُظهر سعيد شجاعةً أو رغبةً في الكلام ، الامر الذي أثار حفيظة خالد ودفعه إلى السؤال عن السبب الكامن وراء سكوته وحيرته ، ولكنه لم يتلق أي رد من سعيد وفجأة وقف سعيد وقال :
-اسمع يا خالد سوف أعود إلى البيت هل ستأتي معي ؟

أجابه خالد بالنفي ؛ لأنه لم ينتهِ بعد من محاضراته ، وقبل أن يُنهي كلامه ، وبإشارة سريعة أرسلها سعيد أفصحت عن خطواته القادمة وهي العودة إلى البيت ، وبكلمة وداع مختصرة افترقا.

دخل سعيد البيت والحزن يلفه من كل الجهات حيث كانت قدماه تتبعانه ، فقد هدّه الألم والأمل    في اللحظات القادمة ، يطارده شبح ذلك اليوم ، إنه نهار قاسٍ . قالها وهو يدخل غرفته حيث أخذ يكرر هذه الكلمات بصوت خافت وكأنه يتربع داخل محراب يتعبّد ، وكلما تعثّرت قدماه بكتاب مُلقى على وجه الأرض أو بصحيفة صفراء تتناثر صفحاتها في زوايا حجرته ، توقف عن الترتيل ونظر عبر النافذة التي تطلّ على الغروب .

كانت شمس ذلك اليوم قد أخذت في الانتهاء والغرق في بركة من دماءٍ وبرتقال ، ضاقت دائرة الصمت من حوله وصرخ : إنه الليل ، هذا الليل الذي يخافه الآدميون . أما أنا ، يقول سعيد : فإنني أسكن الليل ويسكنني ، فهو شقيق روحي ولا أجد ذاتي إلا من خلاله ، فهو يجمع الاصدقاء في حلقات دائرية وهو يرفض الأموات الذين تتسع أفواههم عندما يُرخي ظِلاله ، ويسرعون إلى دفن انفسهم في الفراش.

هذا الكلام كان قد أفصح به لصديقه خالد في بعض الجلسات التي كانت تجمعهما ، فأخذ يردده وهو يدور حول نفسه وسط حجرته المشوّهة . متى تعودون أيها الأصدقاء ؟ متى اعود إليكم ؟.

يخاطب دموعه التي كانت في سباق حميم مع كلماته حيث سالت وحفرت في وجنتيه  جدولا أخذ ينساب ويتمدد على أرض الحُجرة رؤىً ومساحات عشق وموت ، فمثل هذه الدموع لم   تنزف ولم يلتق بها منذ أن غادر بلدته قبل عدة أيام ، ومنذ وداعه أمه ورمانة شامخة كانت تتوسط بيته العتيق .

قفزت هذه الافكار والصور لتسكنَ ناظريه وتملأ نفسه بالحزن الدائم والآن هو يرفض أن يُضافَ جرحٌ آخر إلى بحر أحزانه كي لا يغمره الطوفان.

كل هذا وعيناه تتجولان داخل حجرته ، تفتشان عن شيء مفقود وفي أثناء هذا البحث الدائم دارت من حوله الأشياء فأخذ سريره المتواضع البارد ، ومكتبة صغيرة تدوران من حوله فألقى برأسه إلى وسادة شاحبة وأغمض جفنيه وكان ذلك عند الفجر .

وفي الصباح استيقظ على ضجيج منبه الساعة يدعوه إلى مجافاة الفراش وترك الأحلام خلفه ملقاة على سريره المتناثر ، نهض سعيد من أعماقه وسارع إلى لملمة شظاياه الموزعة في زوايا حجرته الحقيرة ، وبخطى ملؤها القلق والتردد ، توجّه إلى الجامعة ، تلك الجامعة التي كان يشعر بالغثيان عند ذِكرها ، ولكن ماذا يفعل؟ إنها إرادة الآخرين التي دفعته إلى الالتحاق بها . لقد كانت تشكّل له هاجسا مرعبا حيث العيون من حوله تحاول اقتحامه وسلب كل شيء  جميل في نظره هذا الإحساس الذي كان يجتاحه عندما يقتحم عتباتها .

وما أن صحا من شروده الفكري حتى كان يتوسط الجامعة ، حيث بادره صديقه خالد بالتحية وصحبه إلى كلية الآداب حيث موعد الدرس ، دخل سعيد القاعة واختار له مقعدا في الخلف حيث كان يفضل الجلوس في الصفوف الاخيرة من القاعة وكان يجهد نفسه في البحث عن سبب وراء رغبته تلك ، لكن كان نصيبه الفشل في كل مرة .

وبينما هو جالس يسند جبينه بيده اليسرى ، سمع صوتا من اعلى يناديه ويطلب منه السماح بالجلوس إلى جانبه في المقعد المجاور، أزاح يده عن جبينه ودون النظر إلى صاحب الصوت ، هزّ رأسه معبّرا عن الرضى والقبول بما طلب منه .

كانت فتاة ناعمة ورقيقة ، اجتاحته بعيونها شاكرة له تلبية طلبها بالجلوس إلى جانبه .

” هذه العيون ليست غريبة عني ” قالها وشريط من الذكريات جال بخاطره أ إنها العيون التي شاهدتها بالأمس ، فأخذ يحادث ذاته عن تلك الفتاة وسبب جلوسها إلى جانبه ، ولماذا تنظر إليه بهذه الطريقة ، عاصفة من الأسئلة القلقة تفجّرت وعصفت في أعماقه ، قد تكون هذه الفتاة طيبة وطلبت مني ذلك بشكل عفوي ولأنها تعوّدت على الجلوس في ذلك المقعد، وقد تكون قاصدة في ذلك تدفعها الرغبة في تكوين الأصدقاء وسبيلها إلى ذلك المعرفة المتواضعة في الحياة .

وما أن فرغ من وضع الاحتمالات واشتقاق الفرضيات حتى كان وقت الدرس قد رحل وخرج الجميع من القاعة ، أما هو فلم يتحرك من مكانه وبقي ينظر مساحات الفراغ الذي خلفه نفيرهم السريع في نظره ، فهو لم يشعر بشيء من حوله حيث نسي نفسه للحظات ونسي من يكون ، ولماذا قدم إلى هذه البلاد؟ شريط من الصور والمشاهد تدفق إلى مخيلته ، ليلة الامس حجرته الضيقة ، صديقه خالد ، عيون الناس ، الصحف الصفراء ، صديقته القديمة التي ابتعدت عنه ،لأنها تريده شيئا آخر، أمه وبطاقة يحملها في جيبه تفصح عن ذاته، وتجعل منه إنسانا كاملا.

لقد عاد إلى دائرة الغرق والضياع ، من ينقذني من هذا الاحتراق ؟ قالها وقد انتشرت قطرات الندى أسفل عينيه . من يعيدني ويأخذني إلى نفسي التي اشتقت للقائها ، تعالوا أيها الأصدقاء ، تعالوا لكي نبحث عن ذات رفضها الموت وعشقتها الحياة .

ألقى بجسده  على مقعده الخشبي ناشدا الراحة والهرب من مواجهة المصير. وفي هذا الوقت كان صديقه خالد ينتظره في المكتبة ، فقد وعده    أن يأتي ليطالعا معا ، فالامتحانات قد اقتربت من موعدها لكنه ملّ الانتظار أكثر وقرر الذهاب إليه واصطحابه ، وما أن وصل خالد القاعة حتى فوجيء بجسد ملقى على مقعد صامت ، وقد أجهده الإعياء ، حيث كان يتصبب عرقا ، فأسرع إليه خالد ومسح بيده على جبينه وساعده على النهوض وقفلا عائدين إلى البيت .

وعلى الضفة الأخرى للحياة ، كان الدخان يتصاعد من منارات الوطن ، وحجارة الأرض المقدسة تصرخ في وجه الغزاة الجدد، وأخبار الدم المتفجر في عروق الشجر تعلن عن ميلاد المسيح .

هم حاولوا صَلبه ، ولكن السماء احتضنته ، وها هو يعود من جديد ليسيج لنا قبة الوطن ويعيد للأرض خصوبتها، ويمنح أطفاله بهجة العيد ، هو قادم ليخدش وجه الشمس بحجره البرتقالي ويحمي خاصرة الوطن من أنياب الغرباء .

كانت هذه الأخبار وغيرها تصل إلى مسامع سعيد كل يوم ، وكان يشاهدها بأم عينه ولطالما كان يتمنى لو أنه تمسّك بعتبة بيته العتيق وتمسح بأطراف ثوب أمه وشدّ على زنّارها ليحتفظ بما تبقى من مذاق قهوتها التي كانت تجعل من صباحه أعيادا للحرية ومواعيد مقدسة مع الحياة .

 

إذن هو اعتاد على هذا النمط من الحياة ، كلما أراد ان يزيح من أمام ناظريه أطياف الحزن والمعاناة أسرع باتجاه الغرفة التي تضم في أحشائها مذياعا متواضعا ، فيدير قرصا صغيرا من على جانب المذياع الأيمن ، فتخرج يافا من جلدها البحري لتعانق رمل غزة ، فتنثر ضفائرها بيسان وتحاصر خوذهم الصلبة ، وتدوي صرخة الكرمل فتهتز الأرض من أطرافها وتخرج من رحم صخرة طبريا لتستقبل فارسا تعمّد من ماء تدفّق من بين أصابع قدميها لتعيد للأرض طهارتها وللخريطة الصغرى حضورها الكنعاني .

إذن رمال المتوسط تحترق كل يوم ، الشهداء يخرجون ليلا لحراسة السماء والجرحى يغسلون وجه الأرض بدمائهم وما بين السماء والأرض تنتشر رائحة الصبر وزغاريد النساء .

مزقت سياط الزمن أجساد الانبياء ، فرحلوا من جلودهم ، وبقي طفل كنعاني بلون الأرض والقرنفل   يحرس  قوافل العرب وعشب الصحراء وماء المطر يلبي نداء ” وامعتصماه ” الذي أطلقته عصافير الجليل ، هو قادم بعدما أعد ما استطاع من رباط الخيل ، هو قادم من بطن حطين ليعيد  للجرمق وعيبال ذهب السنابل ورائحة الغمام .

هنا رائحة الشهداء ، هنا آهات الجرحى ،هنا مواويل الأسرى ، هنا البيوت المهدمة والأشجار المصلوبة ، هي علامات للحياة القادمة وضريبة من يتقن العربية ويحفظ نشيد الفرسان ويحمي ضفائر جفرا من غارات القراصنة .

كم من الأصدقاء قادرون أن يذيبوا أكوام الملح التي علت شفاه سعيد ، هل عزّ الصديق في زماننا هذا ؟ لا أصدّق أن هذا الشيء قد حصل ، وإلا كيف تفسر تلك البطولات اليومية في أرض كنعان وغسان لإنقاذ ما تبقى من جنة الضائعين وحلم الأنبياء ولتجعل للخريطة شكلا آخر لا تسيجه من كل الجهات المخافر وقبّعات الجند والاقزام .

شارفت أيام الدراسة على الانتهاء ، وانسابت اللحظات من بين أصابع يديه ، وكان في سباق مع الزمن وفي محاولة محمومة لجمع فتات روحه التي وُزعت على القبائل في بلاد العمائم والعباءات المحشوة بالهزيمة والمنسف البلدي ، هم أرادوه هكذا دائما داخل أسوار الجامعة ، يشرب القهوة ويتتبع آخر ما أنجبته مصانع الغرب من أنواع السجائر وينسى أم الزيتون ويصاحب الريح التي دمّرت نرجسات الوطن .

كان يحاور صديقه خالد في كل مرة ، كان يضمهما مجلس  ولكن حواره  دائما كان جافا كتربة الروح التي لامسها تموز ، وذات يوم كاشفه خالد بما يشعر به ، والمدن المحطمة التي كانت لا تغادر عينيه ، نعم يا سعيد ، في كل مرة أنظر فيها إلى عينيك ، أقرأ فيهما سرّ التفاحة الاولى ونشأة الخليقة ،أفهم من خلالهما كيف يتحول الطين إلى أنفاس دافئة بلون أقواس المطر وطعم اللوز في آذار .
 

 

أ. عبدالقادر شواهنة

  • رئيس قسم الكتب والمطبوعات التربوية – قلقيلية