الرئيسية >> مقالات >> المُسَاعَدات الخَارِجيّة للمُوازَنةِ العَامّة … بين الحَقِيقَة والتَهوّيِل بقلم: مؤيد عفانة

المُسَاعَدات الخَارِجيّة للمُوازَنةِ العَامّة … بين الحَقِيقَة والتَهوّيِل بقلم: مؤيد عفانة

راديو نغم :

المُسَاعَدات الخَارِجيّة للمُوازَنةِ العَامّة … بين الحَقِيقَة والتَهوّيِل

بقلم: مؤيد عفانة

عضو الفريق الأهلي لشفافية الموازنة العامّة في فلسطين

تُشير بيانات الموازنة العامّة 2017م، والواردة في “قرار بقانون رقم (3) للعام 2017م”، إلى أنّ المساعدات الخارجية قّدّرت بمبلغ (2,496) مليون شيكل، أي ما يُكافئ (640) مليون دولار، منها (1,950) مليون شيكل منح ومساعدات؛ لدعم الموازنة العامّة، ومبلغ (546) مليون شيكل منح مقدّرة؛ لتمويل النفقات التطويرية؛ إذ شكّلت المساعدات الخارجية بِشقيها نسبة (14%) فقط من إجمالي الموازنة العامة 2017م التي بلغت (17,786) مليون شيكل.

وبالعودة بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، فإننا نُلاحظ أنّ حجم المساعدات الخارجية المقدّرة في الموازنة العامّة 2010م بشقيها بلغ (7,269) مليون شيكل: منها (4,723) مليون شيكل منح ومساعدات؛ لدعم الموازنة العامّة، ومبلغ (2,546) مليون شيكل منح مقدّرة؛ لتمويل النفقات التطويرية؛ إذ شكّلت المساعدات الخارجية بِشقيها نسبة (50%) من إجمالي الموازنة العامّة 2010م، التي بلغت (14,592) مليون شيكل؛ أي أنّ المساعدات الخارجية كانت في ذاك الحين نصف الموازنة العامةـ!

ويّلاحظ في ضوء المقارنة ما بين العام 2010م وحتى العام 2017م تراجع الدعم الخارجي للموازنة العامّة، لأسبابٍ متعددة: منها ما هو سياسيّ، ومنها ما هو مرتبط بوضع الإقليم الملتهب، ومنها ما هو مرتبط بـ (إجهاد المانحين)، ومنها ما هو مرتبط بالتقدم في العملية السلمية، وغيرها، حتى بلغت نسبتها في الموازنة العامة 2017م ثلث قيمتها التي كانت في العام 2010م، رغم ارتفاع حجم الموازنة العامة في العام 2017م بنسبة (22%)، زيادة عمّا كانت عليه في العام 2010م، تبعاً للنمو الطبيعي في النفقات والاحتياجات.

ومن خلال مراجعة مبنى الموازنة العامّة المقدّرة 2017م، نجد انّ الإيرادات الذاتية هي المكوّن الأكبر لتمويل الموازنة العامّة، حيث قدّر صافي الإيرادات العامة بمبلغ (13,452) مليون شيكل؛ أي أن الإيرادات الذاتية بلغت أكثر من خمسة أضعاف المساعدات الخارجية بشقيها، وبالتالي فإن المواطن الفلسطيني هو المُمَوّل الأكبر للخزينة العامّة، من خلال الضرائب المختلفة التي يدفعها للحكومة، إمّا بشكل مباشر من خلال إيرادات الضرائب المحلية (الدخل، القيمة المضافة، الجمارك، مكوس السجائر، مكوس المشروبات، الأملاك) والإيرادات غير الضريبية مثل الرسوم المختلفة، أو من خلال المقاصّة مع إسرائيل، وهي “مجموع الإيرادات التي تقوم إسرائيل بجبايتها نيابة عن السلطة الوطنية الفلسطينية، وفق بروتوكول اتفاقية باريس الاقتصادي ويتم تحويلها إلى السلطة الوطنية الفلسطينية بعملة الشيكل، و تشمل ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة والشراء وضريبة المحروقات، وأيّة ضرائب ورسوم تترتب على التبادل التجاري بين إسرائيل والضفة والقطاع”، فتبعا للموازنة العامّة 2017م، فإن حوالي ثلثي الإيرادات المحلية تأتي عبر المقاصّة مع الجانب الإسرائيلي.

وفي ضوء ما تقدم من بيانات، يظهر بشكل جليّ أنّ حجم المساعدات الخارجية للموازنة العامّة بشقيها (دعم الموازنة والتطويري)، قد تراجع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وهو حالياً دعم متواضع جداً مقارنة بالإيرادات الذاتية المتحققة من الضرائب والرسوم المختلفة التي يدفعها في نهاية المطاف المواطن الفلسطيني، وبالتالي فإنّ “فزاعّة” وقف المساعدات الخارجية للموازنة العامة، مُبالغ فيها إلى حد كبير، وتحمل من “التهوّيل” أكثر مما تحمل من “الحقيقة،” تبعا لنسبة تلك المساعدات المنخفضة من مبنى الموازنة العامّة، وهي ليست “قَدَرَا” يحددّ مصير الشعب الفلسطيني، أو يُرهن قراره الوطنيّ المستقل لأجندة المانح، عدا على أنّ تحليل السلسلة الزمنية وتفاصيل تلك المساعدات الخارجية المقدّرة والفعلية، يُشير إلى أنّ نسبة غير بسيطة من وعود المانحين لم تتم، وأموالهم لم تصل، وبقيت (كلام على ورق)، ونسبة لا بأس بها من المساعدات والمنح التي قدّمها المانحين رجعت إليهم من خلال موظفيهم ومستشاريهم وإجراءاتهم المتعدّدة.

وختاماً، فانّ تبنّي الحكومة خطة، لترشيد النفقات العامّة، كفيل بالتقليل من أثر منح أو وقف تلك المساعدات الخارجية للموازنة العامّة، رُغمَ أحقيّة الشعب الفلسطيني بها، تبعاً للظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني مُنذ قرن ٍ من الزمان، ولا يزال؛ إذ دعا الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة في فلسطين، والذي يمثل الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” السكرتاريا التنفيذية له، إلى تبني برنامج مُخَطّط للترشيد والتقشف بمنهجية علمية موضوعية تشاركية، وعَمِلَ على إعداد مجموعة دراسات استقصائية تحددّ مجالات الترشيد والتقشف، دون المساس بحقوق الفقراء، والفئات الأكثر تهميشا والأقل حظاً في المجتمع الفلسطيني.